النبوغ المغربي
في الأدب العربي
تأليف
عبدالله كنون
- (الجزء الأول) - PageV01P001 PageV01P002
النبوغ المغربي
في الأدب العربي PageV01P003 PageV01P004
مقدمة الطبعة الثانية PageV01P005
PageV01P006
هذا الكتاب
لما ألفت
هذا الكتاب
، لم أكن أهدف به إلى تمييز أدب المغرب بميزة ليست في الأدب العربي العام، ولا إلى تخصيصه ببحث مستقل يجعله في نظر المغاربة أو غيرهم كتابا خاصا بأدب قطر من أقطار العروبة على حدته، وإنما كان مقصودي الأهم من تأليفه، هو بيان اللبنة التي وضعها المغرب في صرح الأدب العربي الذي تعاونت على بنائه أقطار العروبة كلها، وذكر الأدباء المغاربة الذين لم يقصروا عن إخوانهم من المشارقة ومغاربة بقية أقطار المغرب العربي في العمل على ازدهار الأدبيات العربية على العموم.
وذلك لأني رأيت منذ نشأتي الأولى إهمال هذا الجزء من بلاد العروبة في كتب الأدب وكتب تاريخ الأدب، حتى لقد تذكر تونس والجزائر، وبالحرى القيروان وتلمسان فضلا عن قرطبة وإشبيلية، ولا تذكر فاس ومراكش بحال من الأحوال. وظننت أولا أن ليس لبلادي في هذا المجال مشاركة، وإنما حسبها ميادين البطولة والجهاد والفتح، ولذلك لا يسع المؤرخين وكتاب التراجم إلا أن ينوهوا بشخصيات يوسف بن تاشفين، وعبد المؤمن بن علي، ويعقوب المنصور، وأبي الحسن المريني، وأضرابهم من أبطال المعارك وأرباب الحكم والسلطان، ويثنوا على أعمالهم ومساعيهم في خدمة الإسلام، وتوطيد دولته؛ في حين أنهم لا يعيرون اهتماما لرجال العلم والأدب، ولا يعرجون على ما كان لهذا الوطن العزيز من صولة في عالم الفكر وميدان العرفان.
ثم لما بحثت، وجدت كنوزا عظيمة من أدب لا يقصر في مادته عن أدب أي قطر من الأقطار العربية الأخرى، وشخصيات علمية وأدبية لها في مجال PageV01P007 # الإنتاج والتفكير مقام رفيع. ولكن الإهمال قد عفى على ذلك كله، وعدم الاهتمام يجمعه في كتاب، والتنبيه عليه في خطاب أدى إلى وأده، فاحتاج إلى من يبعثه من مرقده.
وقد شمرت عن ساعد جدي، وأنا يافع لم يبقل بعد عارضي، فتتبعت جميع ما وصلت إليه يدي من آثار أدبية مغربية، وأخبار عن أدباء المغرب وعلمائه، مما وقفت عليه في الكتاب والأوراق والمحافظ، أو تلقفته من أفواه المشائخ والأدباء والأقران، وجمعت ذلك كله في كتاب النبوغ ودفعت به إلى المطبعة منذ بضع وعشرين سنة، لعلي أرفع الضيم عن بلادي، وأثبت مركزها في حظيرة العلم والأدب، على ما هو عليه مركزها في السياسة والحرب أو أعظم.
ولقد وفقت إلى ما أردت أو بعض مما أردت، على ضعف وسائلي المادية والأدبية في ذلك الحين، فكان للكتاب صدى بعيد في الداخل والخارج، نبه الزملاء والناشئين بعد إلى العناية بهذه الناحية من تاريخهم، وأثار اهتمام الباحثين والمعنيين بهذه الشؤون في الشرق والغرب، حتى قال فيه أمير البيان المرحوم الأمير شكيب أرسلان? ? إن من لم يقرأه فليس على طائل من تاريخ المغرب العلمي والأدبي والسياسي? ? وصار العلامة الأستاذ كارل بروكلمان، الحجة في تاريخ الأدب العربي يعتمده في ملحقات كتابه العظيم، عن تاريخ هذا الأدب. ولا يمكنني في هذه العجالة أن أستوعب أسماء جميع الأدباء والكتاب الذين تناولوه بالنقد والتقريظ في مختلف الصحف والمجلات منذ صدوره إلى الآن. ولكني أشير إلى إقرار العالم الإيطالي الشهير جيوفاني بيانكي في مقال له بمجلة الشرق الحديث (¬1) عن الكتاب? ? بإبرازه للمساهمة التي أبداها المغرب في الآداب العربية، تلك المساهمة التي أهملت حتى اليوم، ولم تقدر كما كان ينبغي? ? وهذه هي الغاية التي من أجلها الفت النبوغ. وكذلك أشير إلى ما جاء في مقال عنه للدكتور محسن جمال الدين، نشر بمجلة الأديب البيروتية منذ عهد قريب (¬2) وهو قوله: ? ? أن فضيلة هذا الكتاب في أنه يختص بدراسة PageV01P008 # أدب بلاد المغرب الأقصى وتاريخه ويستخرج النصوص من خزائنها النادرة، ذات المخطوطات النفيسة، ويعرض لنا نماذجها الحسنة. ودراسة شخصياتها المعتبرة، وهو بعيد عن ابتذال القول وضعف الرأي. . . والذي يدرس منا كتاب «النبوغ المغربي» فستدهشه هذه الوفرة الزاخرة من أسماء الرجال والمؤلفات والنصوص، ويتأكد بعدها أن أغلب أصحاب حرفة الأدب عندنا أو حملة العلم في جامعاتنا، لم يسمعوا بها أو يقتنوا من آثارها، أو يحفظوا بعض أشعارها ونثرها، وما عمل المؤلف المفضال، والصديق الكريم إلا صيحة داوية، ودعوة حارة، وغرسا مثمرا لجمله الحاضر، ولأجيالنا القادمة في الوطن العربي كافئة، وفي عالم الحضارة العالمية الواسعة , وهذا وصف للمجهود الطائل الذي بذلته في تأليف النبوغ، بقلم أستاذ جامعي يعرف قيمة البحوث المبتكرة التي لم تنسج على منوال سابق.