المجلد الأول
مقدمة
...
مقدمة:
هذا كتاب في تاريخ العرب قبل الإسلام، وهو في الواقع كتاب جديد، يختلف عن كتابي السابق الذي ظهرت منه ثمانية أجزاء، يختلف عنه في إنشائه، وفي تبوبيه وترتيبه، وفي كثير من مادته أيضا؛ فقد ضمنته مادة جديدة، خلا منها الكتاب السابق، تهيأت لي من قراءاتي لكتابات جاهلية عثر عليها بعد نشر ما نشرت منه، ومن صور كتابات أو ترجماتها أو نصوصها لم تكن قد نشرت من قبل، ومن مراجعاتي لموارد نادرة لم يسبق للحظ أن سعد بالظفر بها أو الوقوف عليها، ومن كتب ظهرت حديثا بعد نشر هذه الأجزاء، فرأيت إضافتها كلها إلى معارفي السابقة التي جسدتها في ذلك الكتاب.
وقد رأى أستاذي العالم الفاضل السيد محمد بهجت الأثري تسميته: "المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام"، لما فيه من تفصيل لم يرد في الكتاب السابق؛ فوجدت في اقتراحه رأيا صائبا ينطبق كل الانطباق على ما جاء فيه، فسميته بما سماه به، مقدما إليه شكري الجزيل على هذا التوجيه الجميل.
وكتاباي هذان، هما عمل فرد عليه جمع المادة بنفسه، والسهر في تحريرها وتحبيرها، وعليه الإنفاق من ماله الخاص على شراء موارد غير متيسرة في بلاده، أو ليس في استطاعته مراجعتها بسبب القيود المفروضة على إعارة الكتب، أو لاعتبارات أخرى، ثم عليه البحث عن ناشر يوافق على نشر الكتاب، ثم عليه تصحيح المسودات بنفسه بعد نجاحه في الحصول على ناشر، إلى غير ذلك من أمور تسلبه راحته وتستبد به وتضنيه، ولولا الولع الذي يتحكم في المؤلفين في هذه البلاد، لما أقدم إنسان على تأليف كتاب. PageV01P005
وإن عملا يتم بهذا الأسلوب وبهذه الطريقة، لا يمكن أن يرضي المؤلف أو يسعده؛ لأنه عمل يعتقد أنه مهما اتفق فيه من جهد وطاقة واجتهاد؛ فلن يكون على الشكل الذي يتوخاه أو يريده، والصورة التي رسمها في فكره وتصورها له. ولولا طمع المؤلف في كرم القراء بتبرعهم في تقويم عوجه وإصلاح أغلاطه وإرشاده إلى خير السبل المؤدية إلى التقويم والإصلاح، ولولا اعتقاده أن في التردد أو الإحجام سلبية لا تنفع، بل إن فيها ضررا، وإن كتابا يؤلف وينشر على ما يجمع من عيوب ونقائص خير من لا شيء. أقول: لولا هذه الاعتبارات لما تجرأت، فأخرجت كتابا وعددتني مؤلفا من المؤلفين.
وأنا إذ أقول هذا القول وأثبته، لا أريد أن أكون مرائيا لابسا ثوب التواضع لأتظاهر به على شاكلة كثير من المرائين. وإنما أقول ذلك حقا وصدقا؛ فأنا رجل أعتقد أن الإنسان مهما حاول أن يتعلم، فإنه يبقى إلى خاتمة حياته جاهلا، كل ما يصل إليه من العلم هو نقطة من بحر لا ساحل له. ثم إني ما زلت أشعر أني طالب علم، كلما ظننت أني انتهيت من موضوع، وفرحت بانتهائي منه، أدرك بعد قليل أن هناك علما كثيرا فاتني، وموارد جمة لم أتمكن من الظفر بها، فأتذكر الحكمة القديمة "العجلة من الشيطان".
وقد رأيت في هذا الكتاب شأني في الكتاب السابق، ألا أنصب نفسي حاكما تكون وظيفته إصدار أحاكم قاطعة، وإبداء آراء في حوادث تاريخية مضى زمن طويل عليها؛ بل أكتفي بوصف الحادث وتحليله كما يبدو لي. وقد لا تعجب طريقتي هذه كثيرا من القراء، وعذري أني لا أكتب لإرضاء الناس، ولا أدون لشراء العواطف؛ وإنما أكتب ما أعتقده وأراه بحسب علمي وتحقيقي، والرأي عندي أن التأريخ تحليل ووصف لما وقع ويقع، وعلى المؤرخ أن يجهد نفسه كل الإجهاد للإحاطة به، بالتفتيش عن كل ما ورد عنه، ومناقشة ذلك مناقشة تمحيص ونقد عميقين، ثم تدوين ما يتوصل إليه بجده واجتهاده تدوينا صادقا على نحو ما ظهر له وما شعر به، متجنبا إبداء الأحكام والآراء الشخصية القاطعة على قدر الاستطاعة.