الرسالة المصرية
لأبي الصلت أمية بن عبد العزيز الأندلسي
470-528 PageV01P005
مقدمة
نزح كثيرون من رجال الأندلس إلى الشرق طلبا للعلم أو المال أو الجاه، أو رغبة في أداء فريضة الحج، وكان من أولئك النازحين إلى مصر رجل جمع إلى الأدب الحكمة، وإلى الطب التنجيم والموسيقى والرياضة، والبراعة في علم الحيل. هذا الرجل هو أبو الصلت أمية بن عبد العزيز بن أبي الصلت، المولود في مدينة دانية، من بلاد الأندلس سنة 470 ه?.
قدم أبو الصلت إلى الإسكندرية ومعه أمه - فيما يروى ابن خلكان سنة 487، أي في أيام الخليفة الفاطمي المستنصر بالله أبي تميم معد بن الظاهر بالله على بن الحاكم بأمر الله، ووزيره إذ ذاك والقائم بأمر دولته الأفضل شاهنشاه ابن أمير الجيوش بدر الجمالي الأرمني.
وكان يأمل أبو الصلت من وراء رحلته هذه بسطة في العيش، وثراء من المال، كما أشار إلى ذلك في صدر رسالته. ويبدو أنه ظل دهرا خاملا يتحين الفرص، إلى أن أتيح له أن يتصل بأحد المقربين إلى الوزير الأفضل، في أيام الخليفة الآمر، وذلك الرجل هو تاج المعالي مختار، فخدمه بصناعتي الطب PageV01P006 والتنجيم، فأعجب به، ووصفه بحضرة الأفضل وأثنى عليه، وكان كاتب الأفضل ينفس عليه ذلك، ويخشى بأس تاج المعالي، وحدث أن تتابعت من تاج المعالي السقطات فأدى ذلك إلى أن يقبض عليه الأفضل ويعتقله، فيجد كاتب الأفضل الفرصة سانحة للقضاء على أبي الصلت، فيختلق له ما يدفع الأفضل إلى أن يلقى به في سجون المعونة بمصر، مدة ثلاث سنين وشهر، بعد الذي دبج فيه من المدائح والشعر.
ويروى ابن أبي أصيبعة في طبقات الأطباء، أن دخول أبي الصلت إلى مصر كان في حدود سنة 510 ه، وأنه حبس في الإسكندرية في خلافة الآمر بأحكام الله ووزارة الأفضل. فإن صحت هذه الرواية كانت سندا في أن أبا الصلت ورد مرة أخرى بعد وفاة ولي نعمته أبي الطاهر يحيى بن تميم بن المعز ابن باديس المتوفى سنة 509، وهي سنة خروجه من مصر. PageV01P007
ضاق أبو الصلت ذرعا بمصر، وما لقى فيها من الخيبة والعنت. قال القفطي: "ودخل مصر في أيام أفضلها فلم ينل منه إفضالا، وقصده للنيل فلم يجد لديه نوالا". فحينئذ شد رحاله إلى المغرب في سنة 506، واستعاد صلته بحضرة أبي الطاهر يحيى بن تميم بن باديس، الذي وضع له هذه " الرسالة المصرية".
يصف له فيها ماعاينه في مصر وما عاناه، وتناول في هذه الرسالة القيمة: 1 الوصف البلداني للديار المصرية ونيلها.
2 ثم أخذ في تصوير جمال ربوعها ومغانيها تارة بالشعر وأخرى بالنثر.
3 وعقب على ذلك بالكلام في سكانها وأجناسهم ومذاهبهم وأخلاقهم وعقائدهم، منذ عهد الفراعنة إلى ظهور الإسلام.
4 وتحدث بعد ذلك فيما تحتويه من الآثار العجيبة، كالهرمين والبرابي.
5 وذكر عواصم مصر في القديم والحديث.
6 وقدامى العلماء من اليونان والروم، مستطردا بذلك إلى ندرة من لقيه بمصر من المشتغلين بالعلم والحكمة والطب.
7 وعجب من جهل من لقي بها من الأطباء، ونوه بفضل بعض الأطباء البارعين.
8 وتحدث في ولوع المصريين بأحكام النجوم وكثرة استعمالهم لها، وأورد في ذلك نوادر وطرائف.
9 ثم عرج على ذكر من لقيه بها من الأدباء والظرفاء.
فهذه الرسالة تضرب بأسباب إلى علوم وفنون شتى، وتعد اليوم كما عدت PageV01P008 بالأمس، وثيقة يرجع إليها البلداني، والمؤرخ، وباحث الآثار، والاجتماعي، والحكيم، والطبيب، والمنجم، والأديب.