والمن أصله الإنعام والفضل، يقال من عليه منا، ثم أطلق على عد الإنعام على المنعم عليه، ومنه قوله تعالى: ولا تمنن تستكثر [المدثر: 6] ، وهو إذا ذكر بعد الصدقة والعطاء تعين للمعنى الثاني.
وإنما يكون المن في الإنفاق في سبيل الله بالتطاول على المسلمين والرياء بالإنفاق، وبالتطاول على المجاهدين الذين يجهزهم أو يحملهم، وليس من المن التمدح بمواقف
المجاهد في الجهاد أو بمواقف قومه، فقد قال الحريش بن هلال القريعي يذكر خيله في غزوة فتح مكة ويوم حنين:
شهدن مع النبيء مسومات ... حنينا وهي دامية الحوامي
ووقعة خالد شهدت وحكت ... سنابكها على البلد الحرام
وقال عباس بن مرداس يتمدح بمواقع قومه في غزوة حنين:
حتى إذا قال النبيء محمد ... أبني سليم قد وفيتم فارجعوا
عدنا ولولا نحن أحدق جمعهم ... بالمسلمين وأحرزوا ما جمعوا
والأذى هو أن يؤذي المنفق من أنفق عليه بإساءة في القول أو في الفعل قال النابغة:
علي لعمرو نعمة بعد نعمة ... لوالده ليست بذات عقارب
فالمقصد الشرعي أن يكون إنفاق المنفق في سبيل الله مرادا به نصر الدين ولا حظ للنفس فيه، فذلك هو أعلى درجات الإنفاق وهو الموعود عليه بهذا الأجر الجزيل، ودون ذلك مراتب كثيرة تتفاوت أحوالها.
[263، 264]
[سورة البقرة (2) : الآيات 263 إلى 264]
قول معروف ومغفرة خير من صدقة يتبعها أذى والله غني حليم (263) يا أيها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى كالذي ينفق ماله رئاء الناس ولا يؤمن بالله واليوم الآخر فمثله كمثل صفوان عليه تراب فأصابه وابل فتركه صلدا لا يقدرون على شيء مما كسبوا والله لا يهدي القوم الكافرين (264)
تخلص من غرض التنويه بالإنفاق في سبيل الله إلى التنويه بضرب آخر من الإنفاق وهو الإنفاق على المحاويج من الناس، وهو الصدقات. ولم يتقدم ذكر للصدقة إلا أنها تخطر بالبال عند ذكر الإنفاق في سبيل الله، فلما وصف الإنفاق في سبيل الله بصفة الإخلاص لله فيه بقوله: الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله ثم لا يتبعون ما أنفقوا [البقرة: 262] الآية انتقل بمناسبة ذلك إلى طرد ذلك الوصف في الإنفاق على المحتاجين فإن
المن والأذى في الصدقة أكثر حصولا لكون الصدقة متعلقة بأشخاص معينين، بخلاف الإنفاق في سبيل الله فإن أكثر من تنالهم النفقة لا يعلمهم المنفق.
فالمن على المتصدق عليه هو تذكيره بالنعمة كما تقدم آنفا.
ومن فقرات الزمخشري في «الكلم النوابغ» : «طعم الآلاء أحلى من المن. وهو أمر من الآلاء عند المن» الآلاء الأول النعم والآلاء الثاني شجر مر الورق، والمن الأول شيء شبه العسل يقع كالندى على بعض شجر بادية سينا وهو الذي في قوله تعالى:
وأنزلنا عليكم المن والسلوى [البقرة: 57] ، والمن الثاني تذكير المنعم عليه بالنعمة.
والأذى الإساءة والضر القليل للمنعم عليه قال تعالى: لن يضروكم إلا أذى [آل عمران: 111] ، والمراد به الأذى الصريح من المنعم للمنعم عليه كالتطاول عليه بأنه أعطاه، أو أن يتكبر عليه لأجل العطاء، بله تعييره بالفقر، وهو غير الأذى الذي يحصل عند المن.
وأشار أبو حامد الغزالي في كتاب الزكاة من «الإحياء» إلى أن المن له أصل ومغرس وهو من أحوال القلب وصفاته، ثم تتفرع عليه أحوال ظاهرة على اللسان والجوارح. ومنبع الأذى أمران: كراهية المعطي إعطاء ماله وشدة ذلك على نفسه ورؤيته أنه خير من الفقير، وكلاهما منشؤه الجهل فإن كراهية تسليم المال حمق لأن من بذل المال لطلب رضا الله والثواب فقد علم أن ما حصل له من بذل المال أشرف مما بذله، وظنه أنه خير من الفقير جهل بخطر الغنى، أي أن مراتب الناس بما تتفاوت به نفوسهم من التزكية لا بعوارض الغنى والفقر التي لا تنشأ عن درجات الكمال النفساني.