الفائدة السابعة:
تعويد المسلمين على معرفة سعة العالم وعظمة الأمم والاعتراف لها بمزاياها حتى تدفع عنهم وصمة الغرور كما وعظهم قوله تعالى عن قوم عاد: وقالوا من أشد منا قوة [فصلت: 15] فإذا علمت الأمة جوامع الخيرات وملائمات حياة الناس تطلبت كل ما ينقصها مما يتوقف عليه كمال حياتها وعظمتها.
الفائدة الثامنة:
أن ينشىء في المسلمين همة السعي إلى سيادة العالم كما ساده أمم من قبلهم ليخرجوا من الخمول الذي كان عليه العرب إذ رضوا من العزة باغتيال بعضهم بعضا فكان منتهى السيد منهم أن يغنم صريمة، ومنتهى أمل العامي أن يرعى غنيمة، وتقاصرت هممهم عن تطلب السيادة حتى آل بهم الحال إلى أن فقدوا عزتهم فأصبحوا كالأتباع للفرس والروم، فالعراق كله واليمن كله وبلاد البحرين تبع لسيادة الفرس، والشام ومشارفه تبع لسيادة الروم، وبقي الحجاز ونجد لا غنية لهم عن الاعتزاز بملوك العجم والروم في رحلاتهم وتجارتهم.
الفائدة التاسعة:
معرفة أن قوة الله تعالى فوق كل قوة، وأن الله ينصر من ينصره، وأنهم إن أخذوا بوسيلتي البقاء: من الاستعداد والاعتماد سلموا من تسلط غيرهم عليهم.
وذكر العواقب الصالحة لأهل الخير. وكيف ينصرهم الله تعالى كما في قوله: فنادى في الظلمات أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين فاستجبنا له ونجيناه من الغم وكذلك ننجي المؤمنين [الأنبياء: 87، 88] .
الفائدة العاشرة:
أنها يحصل منها بالتبع فوائد في تاريخ التشريع والحضارة وذلك يفتق أذهان المسلمين للإلمام بفوائد المدنية كقوله تعالى: كذلك كدنا ليوسف ما كان ليأخذ أخاه في دين الملك إلا أن يشاء الله [يوسف: 76] في قراءة من قرأ (دين) بكسر
الدال، أي في شرع فرعون يومئذ، فعلمنا أن شريعة القبط كانت تخول استرقاق السارق.
وقوله: قال معاذ الله أن نأخذ إلا من وجدنا متاعنا عنده [يوسف: 79] يدل على أن شريعتهم ما كانت تسوغ أخذ البدل في الاسترقاق، وأن الحر لا يملك إلا بوجه معتبر.
ونعلم من قوله: وابعث في المدائن حاشرين [الشعراء: 36] ، فأرسل فرعون في المدائن حاشرين [الشعراء: 53]
أن نظام مصر في زمن موسى إرسال المؤذنين والبريح بالإعلام بالأمور المهمة. ونعلم من قوله: قال قائل منهم لا تقتلوا يوسف وألقوه في غيابت الجب يلتقطه بعض السيارة [يوسف: 10] أنهم كانوا يعلمون وجود الأجباب في الطرقات وهي آبار قصيرة يقصدها المسافرون للاستقاء منها. وقول يعقوب: وأخاف أن يأكله الذئب [يوسف: 13] أن بادية الشام إلى مصر كانت توجد بها الذئاب المفترسة وقد انقطعت منها اليوم.
وفيما ذكرنا ما يدفع عنكم هاجسا رأيته خطر لكثير من أهل اليقين والمتشككين وهو أن يقال: لماذا لم يقع الاستغناء بالقصة الواحدة في حصول المقصود منها؟ وما فائدة تكرار القصة في سور كثيرة؟ وربما تطرق هذا الهاجس ببعضهم إلى مناهج الإلحاد في القرآن. والذي يكشف لسائر المتحيرين حيرتهم على اختلاف نواياهم وتفاوت مداركهم أن القرآن- كما قلنا- هو بالخطب والمواعظ أشبه منه بالتآليف، وفوائد القصص تجتلبها المناسبات فتذكر القصة كالبرهان على الغرض المسوقة هي معه، فلا يعد ذكرها مع غرضها تكريرا لها لأن سبق ذكرها إنما كان في مناسبات أخرى. كما لا يقال للخطيب في قوم، ثم دعته المناسبات إلى أن وقف خطيبا في مثل مقامه الأول فخطب بمعان تضمنتها خطبته السابقة: إنه أعاد الخطبة، بل إنه أعاد معانيها ولم يعد ألفاظ خطبته. وهذا مقام تظهر فيه مقدرة الخطباء فيحصل من ذكرها هذا المقصد الخطابي. ثم تحصل معه مقاصد أخرى.