وضمير هي عائد إلى القول المستفاد من قال على طريقة إعادة الضمير على المصدر المأخوذ من فعل نحو اعدلوا هو أقرب للتقوى [المائدة: 8] ، وإنما أنث ضميره باعتبار الإخبار عنه بلفظ فتنة، أو على تأويل القول بالكلمة كقوله تعالى: كلا إنها كلمة هو قائلها [المؤمنون: 100] بعد قوله: قال رب ارجعون لعلي أعمل صالحا فيما تركت [المؤمنون: 99، 100] والمراد: أن ذلك القول سبب فتنة أو مسبب عن فتنة في نفوسهم. ويجوز أن يكون الضمير عائدا إلى نعمة.
والاستدراك بقوله تعالى: ولكن أكثرهم لا يعلمون ناشىء عن مضمون جملة إذا خولناه نعمة منا قال إنما أوتيته على علم، أي لكن لا يعلم أكثر الناس ومنهم القائلون، أنهم في فتنة بما أوتوا من نعمة إذا كانوا مثل هؤلاء القائلين الزاعمين أن ما هم فيه من خير نتيجة مساعيهم وحيلهم.
وضمير أكثرهم عائد إلى معلوم من المقام غير مذكور في الكلام إذ لم يتقدم ما يناسب أن يكون له معادا، والمراد به الناس، أي لكن أكثر الناس لا يعلمون أن بعض ما أوتوه من النعمة في الدنيا يكون لهم فتنة بحسب ما يتلقونها به من قلة
الشكر وما يفضي إلى الكفر، فدخل في هذا الأكثر جميع المشركين الذين يقول كل واحد منهم: إنما أوتيته على علم.
[50- 51]
[سورة الزمر (39) : الآيات 50 إلى 51]
قد قالها الذين من قبلهم فما أغنى عنهم ما كانوا يكسبون (50) فأصابهم سيئات ما كسبوا والذين ظلموا من هؤلاء سيصيبهم سيئات ما كسبوا وما هم بمعجزين (51)
جملة قد قالها مبينة لمضمون هي فتنة [الزمر: 49] لأن بيان مغبة الذين قالوا هذا القول في شأن النعمة التي تنالهم يبين أن نعمة هؤلاء كانت فتنة لهم. وضمير قالها عائد إلى قول القائل إنما أوتيته على علم [الزمر: 49] ، على تأويل القول بالكلمة التي هي الجملة كقوله تعالى: قال رب ارجعون لعلي أعمل صالحا فيما تركت كلا إنها كلمة هو قائلها [المؤمنون: 99، 100] .
والذين من قبلهم هم غير المتدينين ممن سلفوا ممن علمهم الله، ومنهم قارون وقد حكى عنه في سورة القصص أنه قال ذلك.
والمراد ب ما كانوا يكسبون ما كسبوه من أموال. وعدم إغنائه عنهم أنهم لم يستطيعوا دفع العذاب بأموالهم. والفاء في فما أغنى عنهم ما كانوا يكسبون لتفريع عدم إغناء ما كسبوه على مقالتهم تلك فإن عدم الإغناء مشعر بأنهم حل بهم من السوء ما شأن مثله أن يتطلب صاحبه الافتداء منه، فإذا كان ذلك السوء عظيما لم يكن له فداء، ففي الكلام إيجاز حذف يبينه قوله بعده: فأصابهم سيئات ما كسبوا. ففاء فأصابهم سيئات ما كسبوا مفرعة على جملة فما أغنى عنهم، أي تسبب على انتفاء إغناء الكسب عنهم حلول العقاب بهم. وكان مقتضى الظاهر في ترتيب الجمل أن تكون جملة فأصابهم سيئات ما كسبوا مقدمة على جملة فما أغنى عنهم ما كانوا يكسبون، لأن الإغناء إنما
يترقب عند حلول الضير بهم فإذا تقرر عدم الإغناء يذكر بعده حلول المصيبة، فعكس الترتيب على خلاف مقتضى الظاهر لقصد التعجيل بإبطال مقالة قائلهم إنما أوتيته على علم [الزمر: 49] ، أي لو كان لعلمهم أثر في جلب النعمة لهم لكان له أثر في دفع الضر عنهم.
والإشارة ب هؤلاء إلى المشركين من أهل مكة وقد بينا غير مرة أننا اهتدينا إلى كشف عادة من عادات القرآن إذا ذكرت فيه هذه الإشارة أن يكون المراد بها المشركون من قريش. وإصابة السيئات مراد بها في الموضعين إصابة جزاء السيئات وهو عقاب الدنيا وعقاب الآخرة لأن جزاء السيئة سيئة مثلها.