18] .
وعلى أن الإجحاف في إيفاء النعمة حقها من الشكر يعرض بها للزوال وانقلاب الأحوال قال تعالى: ضرب الله مثلا قرية كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغدا من كل مكان فكفرت بأنعم الله فأذاقها الله لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون [النحل:
112] .
من أجل ذلك كله كان حقا على ولاة أمور الأمة أن يسعوا جهدهم في تأمين البلاد وحراسة السبل وتيسير الأسفار وتقرير الأمن في سائر نواحي البلاد جليلها وصغيرها بمختلف الوسائل، وكان ذلك من أهم ما تنفق فيه أموال المسلمين وما يبذل فيه أهل الخير من الموسرين أموالهم عونا على ذلك، وذلك من رحمة أهل الأرض المشمولة
لقول النبيء صلى الله عليه وسلم «ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء»
. وكان حقا على أهل العلم والدين أن يرشدوا الأئمة والأمة إلى طريق الخير وأن ينبهوا على معالم ذلك الطريق ومسالكه بالتفصيل دون الإجمال، فقد افتقرت الأمة إلى العمل وسئمت الأقوال.
[سورة سبإ (34) : الآيات 20 إلى
21]</span>
ولقد صدق عليهم إبليس ظنه فاتبعوه إلا فريقا من المؤمنين (20) وما كان له عليهم من سلطان إلا لنعلم من يؤمن بالآخرة ممن هو منها في شك وربك على كل شيء حفيظ (21)
الأظهر أن هذا عطف على قوله: وقال الذين كفروا هل ندلكم على رجل [سبأ: 7] الآية وأن ما بينهما من الأخبار المسوقة للاعتبار كما تقدم واقع موقع الاستطراد والاعتراض فيكون ضمير عليهم عائدا إلى الذين كفروا من قوله: وقال الذين كفروا هل ندلكم الخ. والذي درج عليه المفسرون أن ضمير عليهم عائد إلى سبأ المتحدث عنهم. ولكن لا مفر من أن قوله تعالى بعد ذلك: قل ادعوا الذين زعمتم من دون الله [سبأ: 22] الآيات هو عود إلى محاجة المشركين المنتقل منها بذكر قصة داود وسليمان وأهل سبأ. وصلوحية الآية للمحملين ناشئة من موقعها، وهذا من بلاغة القرآن المستفادة من ترتيب مواقع الآية.
فالمقصود تنبيه المؤمنين إلى مكائد الشيطان وسوء عاقبة أتباعه ليحذروه ويستيقظوا لكيده فلا يقعوا في شرك وسوسته.
فالمعنى: أن الشيطان سول للمشركين أو سول للممثل بهم حال المشركين الإشراك
بالمنعم وحسن لهم ضد النعمة حتى تمنوه وتوسم فيهم الانخداع له فألقى إليهم وسوسته وكره إليهم نصائح الصالحين منهم فصدق توسمه فيهم أنهم يأخذون بدعوته فقبلوها وأعرضوا عن خلافها فاتبعوه.
ففي قوله: صدق عليهم إبليس ظنه إيجاز حذف لأن صدق الظن المفرع عنه اتباعهم يقتضي أنه دعاهم إلى شيء ظانا استجابة دعوته إياهم.
وقرأ الجمهور صدق بتخفيف الدال ف إبليس فاعل وظنه منصوب على نزع الخافض، أي في ظنه. وعليهم متعلق ب صدق لتضمينه معنى أوقع أو ألقى، أي أوقع عليهم ظنه فصدق فيه. والصدق بمعنى الإصابة في الظن لأن الإصابة مطابقة للواقع فهي من قبيل الصدق. قال أبو الغول الطهوي من شعراء الحماسة:
فدت نفسي وما ملكت يميني ... فوارس صدقت فيهم ظنوني
وقرأ عاصم وحمزة والكسائي وخلف صدق بتشديد الدال بمعنى حقق ظنه عليهم حين انخدعوا لوسوسته فهو لما وسوس لهم ظن أنهم يطيعونه فجد في الوسوسة حتى استهواهم فحقق ظنه عليهم.
وفي (على) إيماء إلى أن عمل إبليس كان من جنس التغلب والاستعلاء عليهم.
وقوله: فاتبعوه تفريع وتعقيب على فعل صدق عليهم إبليس ظنه أي تحقق ظنه حين انفعلوا لفعل وسوسته فبادروا إلى العمل بما دعاهم إليه من الإشراك والكفران.