ووصف أعمى في المرتين مراد به مجرد الوصف لا التفضيل. ولما كان وجه الشبه في أحوال الكافر في الآخرة أقوى منه في حاله في الدنيا أشير إلى شدة تلك الحالة بقوله: وأضل سبيلا القائم مقام صيغة التفضيل في العمى لكون وصف (أعمى) غير قابل لأن يصاغ بصيغة التفضيل لأنه جاء بصيغة التفضيل في حال الوصف.
وعدل عن لفظ (أشد) ونحوه ما يتوسل به إلى التفضيل عند تعذر اشتقاق صيغة
(أفعل) ليتأتى ذكر السبيل، لما في الضلال عن السبيل من تمثيل حال العمى وإيضاحه، لأن ضلال فاقد البصر عن الطريق في حال السير أشد وقعا في الإضرار منه وهو قابع بمكانه، فعدل عن اللفظ الوجيز إلى التركيب المطنب لما في الإطناب من تمثيل الحال وإيضاحه وإفظاعه وهو إطناب بديع. وقد أفيد بذلك أن عماه في الدارين عمى ضلال عن السبيل الموصل. ومعنى المفاضلة راجع إلى مفاضلة إحدى حالتيه على الأخرى في الضلال وأثره لا إلى حال غيره. فالمعنى: وأضل سبيلا منه في الدنيا.
ووجه كون ضلاله في الآخرة أشد أن ضلاله في الدنيا كان في مكنته أن ينجو منه بطلب ما يرشده إلى السبيل الموصل من هدي الرسول والقرآن مع كونه خليا عن لحاق الألم به، وأما ضلاله في الآخرة فهو ضلال لا خلاص منه وهو مقارن للعذاب الدائم، فلا جرم كان ضلاله في الآخرة أدخل في حقيقة الضلال وماهيته.
[سورة الإسراء (17) : آية 73]
وإن كادوا ليفتنونك عن الذي أوحينا إليك لتفتري علينا غيره وإذا لاتخذوك خليلا (73)
حكاية فن من أفانين ضلالهم وعماهم في الدنيا، فالجملة عطف على جملة ومن كان في هذه أعمى فهو في الآخرة أعمى [الإسراء: 72] ، وهو انتقال من وصف حالهم وإبطال مقالهم في تكذيب النبيء صلى الله عليه وسلم إلى ذكر حال آخر من حال معارضتهم وإعراضهم، وهي حال طمعهم في أن يستنزلوا النبيء صلى الله عليه وسلم لأن يقول قولا فيه حسن ذكر لآلهتهم ليتنازلوا إلى مصالحته وموافقته إذا وافقهم في بعض ما سألوه.
وضمائر الغيبة مراد منها كفار قريش، أي متولوا تدبير أمورهم.
وغير الأسلوب من خطابهم في آيات ربكم الذي يزجي لكم الفلك في البحر [الإسراء: 66] إلى الإقبال على خطاب النبيء صلى الله عليه وسلم لتغير المقام من مقام استدلال إلى مقام امتنان.
والفتن والفتون: معاملة يلحق منها ضر واضطراب النفس في أنواع من المعاملة يعسر دفعها، من تغلب على القوة وعلى الفكر، وتقدم في قوله تعالى: والفتنة أشد من القتل في سورة البقرة [191] .
وعدي ليفتنونك بحرف (عن) لتضمينه معنى فعل كان الفتن لأجله، وهو ما فيه
معنى (يصرفونك) .
والذي أوحي إليه هو القرآن.
هذا هو الوجه في تفسير الآية بما تعطيه معاني تراكيبها مع ملاحظة ما تقتضيه أدلة عصمة الرسول صلى الله عليه وسلم من أن تتطرق إليه خواطر إجابة المشركين لما يطمعون.
وللمفسرين بضعة محامل أخرى لهذه الآية استقصاها القرطبي، فمنها ما ليس له حظ من القبول لوهن سنده وعدم انطباقه على معاني الآية، ومنها ما هو ضعيف السند وتتحمله الآية بتكلف. ومرجع ذلك إلى أن المشركين راودوا النبيء صلى الله عليه وسلم أن لا يسويهم مع من يعدونهم منحطين عنهم من المؤمنين المستضعفين عندهم مثل: بلال، وعمار بن ياسر، وخباب، وصهيب، وأنهم وعدوا النبيء إن هو فعل ذلك بأن يجلسوا إليه ويستمعوا القرآن حين لا يكون فيه تنقيص آلهتهم، وأن رسول الله هم بأن يظهر لهم بعض اللين رغبة في إقبالهم على سماع القرآن لعلهم يهتدون، فيكون المراد من الذي أوحينا إليك بعض الذي أوحينا إليك، وهو ما فيه فضل المؤمنين مثل قوله: ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي الآية [الأنعام: 52] ، أو ما فيه تنقيص الأصنام.