[سورة الأعراف (7) : الآيات 120 إلى
126]</span>
وألقي السحرة ساجدين (120) قالوا آمنا برب العالمين (121) رب موسى وهارون (122) قال فرعون آمنتم به قبل أن آذن لكم إن هذا لمكر مكرتموه في المدينة لتخرجوا منها أهلها فسوف تعلمون (123) لأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف ثم لأصلبنكم أجمعين (124)
قالوا إنا إلى ربنا منقلبون (125) وما تنقم منا إلا أن آمنا بآيات ربنا لما جاءتنا ربنا أفرغ علينا صبرا وتوفنا مسلمين (126)
عطف على فغلبوا وانقلبوا [الأعراف: 119] ، فهو في حيز فاء التعقيب، أي:
حصل ذلك كله عقب تلقف العصا ما يأفكون، أي: بدون مهلة، وتعقيب كل شيء بحسبه، فسجود السحرة متأخر عن مصيرهم صاغرين، ولكنه متأخر بزمن قليل وهو زمن انقداح الدليل على صدق موسى في نفوسهم، فإنهم كانوا أعلم الناس بالسحر فلا يخفى عليهم ما هو خارج عن الأعمال السحرية، ولذلك لما رأوا تلقف عصا موسى لحبالهم وعصيهم جزموا بأن ذلك خارج عن طوق الساحر، فعلموا أنه تأييد من الله لموسى وأيقنوا أن ما دعاهم إليه موسى حق، فلذلك سجدوا، وكان هذا خاصا بهم دون بقية الحاضرين، فلذلك جيء بالاسم الظاهر دون الضمير لئلا يلتبس بالضمير الذي قبله الذي هو شامل للسحرة وغيرهم.
والإلقاء: مستعمل في سرعة الهوي إلى الأرض، أي: لم يتمالكوا أن سجدوا بدون تريث ولا تردد.
وبني فعل الإلقاء للمجهول لظهور الفاعل، وهو أنفسهم، والتقدير: وألقوا أنفسهم على الأرض.
وساجدين حال، والسجود هيئة خاصة لإلقاء المرء نفسه على الأرض يقصد منها الإفراط في التعظيم، وسجودهم كان لله الذي عرفوه حينئذ بظهور معجزة موسى- عليه السلام- والداعي إليه بعنوان كونه رب العالمين.
وجملة: قالوا بدل اشتمال من جملة: ألقي السحرة لأن الهوي للسجود اشتمل على ذلك القول، وهم قصدوا من قولهم ذلك الإعلان بإيمانهم بالله لئلا يظن الناس أنهم سجدوا لفرعون، إذ كانت عادة القبط السجود لفرعون، ولذلك وصفوا الله بأنه رب العالمين بالعنوان الذي دعا به موسى- عليه السلام-، ولعلهم لم يكونوا يعرفون اسما علما لله تعالى، إذ لم يكن لله اسم عندهم، وقد علم بذلك أنهم كفروا بإلاهية فرعون.
وزادوا هذا القصد بيانا بالإبدال من برب العالمين قولهم رب موسى وهارون لئلا يتوهم المبالغة في وصف فرعون بأنه رب جميع العالمين، وتعين في تعريف البدل طريق تعريف الإضافة لأنها أخصر طريق، وأوضحه هنا، لا سيما إذا لم يكونوا يعرفون
اسما علما على الذات العلية. وهذا ما يقتضيه تعليم الله اسمه لموسى حين كلمه فقال:
إنني أنا الله في سورة طه [14] . وفي سفر الخروج وقال الله لموسى هكذا تقول لبني إسرائيل (يهوه) إله آبائكم إلخ الاصحاح الثالث.
وفصلت جملة: قال فرعون لوقوعها في طريق المحاورة.
وقوله: آمنتم قرأه الجمهور بصيغة الاستفهام- بهمزتين- فمنهم من حققها، وهم: حمزة، والكسائي، وأبو بكر عن عاصم، وروح عن يعقوب، وخلف، ومنهم من سهل الثانية مدة، فصار بعد الهمزة الأولى مدتان، وهؤلاء هم: نافع، وأبو عمرو، وابن عامر، وقرأه حفص عن عاصم- بهمزة واحدة- فيجوز أن يكون إخبارا، ويجوز أن تكون همزة الاستفهام محذوفة وما ذلك ببدع.
والاستفهام للإنكار والتهديد مجازا مرسلا مركبا، والإخبار مستعمل كذلك أيضا لظهور أنه لا يقصد حقيقة الاستفهام ولا حقيقة الإخبار لأن المخاطبين صرحوا بذلك وعلموه، والضمير المجرور بالباء عائد إلى موسى، أي: آمنتم بما قاله، أو إلى رب موسى.