لا تلق إلا بليل من تواصله ... فالشمس نمامة والليل قواد (¬1)
وتصرف فيه تصرفا بديعا بما أراح من بشاعة كلمة قواد، فلله در المتنبي، ويرحم الله ابن عباد.
القرطاس الرابع
:
يحوي قرطاسنا هذا حديثا بديعا غريبا من أحسن ما ورد في أخبار نقد الشعر والمراجعة فيه بين ناقديه وشاعريه، وهو ما ذكره الشيخ عبد القاهر الجرجاني في PageV04P1719 # كتاب "دلائل الإعجاز" أن عنبسة الفيل (¬1) قال: قدم ذو الرمة (¬2) الكوفة فوقف بالكناسة وهو على ناقته، فجعل ينشد الناس قصيدته التي أولها:
أمنزلتي مي سلام عليكما ... على النأي والنائي يود وينصح
حتى بلغ قوله:
إذا غير النأي المحبين لم يكد ... رسيس الهوى من حب مية يبرح
وكان عبد الله بن شبرمة (¬3) حاضرا فناداه: "يا غيلان أراه قد برح (يريد أن رسيس الهوى قد زال بعد ذلك لقوله: لم يكد يبرح). قال عنبسة: فشنق (¬4) ذو الرمة ناقته، وجعل يتأخر بها ويتفكر، ثم أعاد البيت هكذا: PageV04P1720
إذا غير النأي المحبين لم أجد ... رسيس الهوى من حب مية يبرح
وفي رواية: لم تجد. قال عنبسة: فلما انصرفت حدثت أبي (¬1) بما كان، فقال لي: أخطأ ابن شبرمة حين أنكر على ذي الرمة، وأخطأ ذو الرمة حين غير شعره لقول ابن شبرمة، إنما هذا كقول الله تعالى: {إذا أخرج يده لم يكد يراها} [النور: 40]، وإنما هو لم يرها ولم يكد" (¬2).
هذا ما نقل من هذا المشهد الأدبي الرائع. فوجه ما انتقده ابن شبرمة على ذي الرمة أنه شاع في كلامهم أن يقال: ما كاد فلان يفعل ولم يكد يفعل، في أمر هو قد وقع إلا أنه ما وقع إلا بعد لأي وعناء، وقد كان بعيدا في الظن أن يفعله، كقوله تعالى: {فذبحوها وما كادوا يفعلون (71)} [البقرة: 71]، قال في الكشاف: "قوله {فذبحوها وما كادوا يفعلون (71)} [استثقال لاستقصائهم] واستبطاء لهم، وأنهم لتطويلهم المفرط [وكثرة استكشافهم] ما كادوا يذبحونها و [ما كادت] تنتهي سؤالاتهم" (¬3)، أي ثم انتهت، فلما قال ذو الرمة: "لم يكد رسيس الهوى من حب مية PageV04P1721 # يبرح"، حمله ابن شبرمة على هذا المحمل، فقال له: أراه قد برح، أي: لأن مثل قوله: لم يكد يبرح يقتضي أنه قد برح بعد ذلك.
وأما وجه رد معدان (¬1) نقد ابن شبرمة، فإن كلام ذي الرمة جرى على دلالة ذلك التركيب بحسب الوضع، فان نفي فعل المقاربة يدل بأصله على انتفاء مدلول الفعل وهو المقاربة، فتنتفي مقاربة وقوع الفعل بالصراحة، بطريق اللزوم على نفي وقوع الفعل بالأولى. وذلك كقوله تعالى: {إذا أخرج يده لم يكد يراها} [النور: 40]، فإنه مبالغة في انتفاء رؤية الرائي يده في تلك الظلمات، ولهذا الاعتبار فسر الكشاف قوله تعالى: {إذا أخرج يده لم يكد يراها} [النور: 40]، فقال: "مبالغة في لم يرها، أي لم يقرب أن يراها فضلا عن أن يراها، ومثله قول ذي الرمة:
إذا غير النأي المحبين لم يكد ... رسيس الهوى من حب مية يبرح
أي لم يقرب من إبراح فما باله يبرح".
فرأي صاحب الكشاف موافق لرأي معدان الفيل، ورأي عبد القاهر أن الوضع وبعض الاستعمال شاهدان لبديهة ذي الرمة ولمعدان الفيل، وأن الاستعمال العرفي قد جرى أيضا بأن يقال ما كاد يفعل ولم يكد يفعل في فعل قد حصل، يشيرون بذلك إلى أنه ما حصل إلا بعد جهد وبعد أن كان بعيدا في الظن حصوله، كقوله تعالى: {فذبحوها وما كادوا يفعلون (71)} [البقرة: 71]، وأن ذلك هو الذي أوهم ابن شبرمة، وأوقع ذا الرمة في مثل ذلك الوهم فغير بيته بعد التفكر.