فاقتبست الأمم من أسلوب الإسلام أساليب جديدة في سياسة ممالكهم أفضت إلى تخفيف وطأة الاستبداد، وإلى حصول خير كثير للبشر، وشكلا جديدا PageV02P721 # للمدنية كانت عاقبته ما نشاهده اليوم من رقي إلى معارج سامية؛ فإن للفضائل عدوى سريعة كما قال أبو تمام:
ولو لم يزعني عنك غيرك وازع ... لأعديتني بالحلم إن العلا تعدي (¬1)
وحقت كلمة ربك: {وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين (107)} [الأنبياء: 107]. PageV02P722
المدينة الفاضلة
(¬1)
[تمهيد]
لم تزل أمنية كل مصلح قيضه الله للبشر أن يهدي الناس إلى تكوين ما يسمى في عرف الحكماء ب
المدينة الفاضلة
. وهم إن اختلفت عندهم الأسماء لاختلاف أساليب التعبير في اللغات لا نجد بينهم اختلافا في أن مسمى الذي يدعون إليه هو مسمى ما عناه الحكماء
المدينة الفاضلة
: مجتمع من الناس هو على أكمل حال يكون عليها المجتمع البشري في الرأي والعمل. ذلك أن الإنسان مدني بالطبع، كما هو مشهور على الألسنة. (¬2)
[الفطرة وأصول الاجتماع الإنساني]
:
وقد علل كثير من الحكماء كون الإنسان مدنيا بالطبع. وأنا أختصره وأزيد بيانا؛ فمعنى كونه مدنيا بالطبع أنه بطبع خلقته مجعول لأن يكون مدنيا، لأنه خلق بحيث لا يستقل وحده بأمر نفسه، بل هو محتاج إلى مشاركة غيره من بني جنسه؛ لظهور كثرة حاجاته الناشئة عن ضعفه الجبلي وتفكيره. فالضعف الجبلي جعله محتاجا إلى مكملات يصير بها قويا على مصادمة الكوارث والمهالك، والتفكير جعله متطلعا إلى أن يعيش كما يحب لا كما يلقى، وذلك بالمقام حيث يريد دون انزواء أمام الحوادث المغتالة، وبتحصيل ما لا يستطيع نواله مع فرط رغبته. فزاد بالتفكير ضعفه جلاء؛ لأنه يطمح به إلى تمنيات وفروض لا يستطيع تحصيلها لعجزه، على حد قول أبي الطيب:
وإذا كانت النفوس كبارا ... تعبت في مرادها الأجسام (¬3) PageV02P723 # فاحتاج أفراد البشر إلى معونة بعضهم بعضا؛ لتحصل لهم من تفكيرهم وسعيهم قوة التعاضد والتآزر، فيبذل كل ما يستطيع بذله من كده أو من كسبه، عسى أن يحصل من مجموع سعيهم تحصيل معظم أماني الجميع. (¬1) وبذلك التفكير والتعاضد امتاز البشر عن أصناف الحيوان: PageV02P724
لولا العقول لكان أدنى ضيغم ... أدنى إلى شرف من الإنسان (¬1)
وقد صار الإنسان بموجب هذا الاحتياج إلى التعاون والتكاتف مضطرا إلى اقتراب بعض أفراده من بعض، وإلى التكثر من هؤلاء المقتربين والمجتمعين، وإقامة بعضهم حيال بعض، ليجد كل عند احتياجه من يسارع إلى سد خلته. فاضطر إلى التجمع والإقامة، وهو المعبر عنه بالتمدن المأخوذ من لفظ المدينة، الذي هو مشتق من فعل ممات في اللغة العربية وهو فعل مدن. ثم إن هذا الخلق الجبلي من شأنه أن يتدرج بهم في سلم الارتقاء، ولا يزال يغريهم نوال شيء بالتطلع إلى ما فوقه. (¬2)
ثم إن هذا التمدن يفضي بالناس في غالب الأحوال إلى توارد الرغبات على شيء يكون الموجود منه لا يفي بإرضاء الجميع، أو إلى اختلافهم في وسائل السعي إلى ما يدفع عنهم ضررا، أو يجلب إليهم نفعا. فكانوا في اجتماعهم ذلك مظنة حدوث الخلاف بينهم، وكان ذلك الخلاف من شأنه أن يهيج ما فيهم من قوة الغضب، ويحمل بعضهم على مقارعة بعض. فيصير بعضهم سبب إتلاف مصالح بعض، وإفساد ما أصلحوه في تجمعهم بعد أن كان تجمعهم سبب تحصيل تلك المصالح، فيؤول اجتماعهم في الإهلاك والضلال عائدا على مقصدهم الأول بالإبطال.