المحور الأول
في العقيدة
والتفسير والفكر والحكمة PageV01P033
الفرع الأول
العقيدة والتفسير PageV01P035
تنبيه ونصيحة
(¬1)
إن واجب النصح في الدين والتنبيه إلى ما يغفل عنه المسلمون مما يحسبونه هينا وهو عند الله عظيم قضى علي أن أنبه إخواننا إلى خطر أمر تفسير كتاب الله والقول فيه دون مستند: من نقل صحيح عن أساطين المفسرين، أو من إبداء تفسير أو تأويل من قائله إذا كان القائل قد توفرت فيه شروط المفسر من الضلاعة في علوم الشريعة وعلوم العربية، ولا سيما علما المعاني والبيان اللذين بدونهما لا يأمن المرء من تكرر الخطأ في فهم معاني القرآن، فيضل المقدم على ذلك ويضل غيره.
وقد قال العلامة الزمخشري في خطبة الكشاف: " [ثم] إن أملأ العلوم بما يغمر القرائح، وأنهضها بما يبهر الألباب القوارح [- من غرائب نكت يلطف مسلكها، ومستودعات أسرار يدق سلكها -] علم التفسير الذي لا يتم تعاطيه وإجالة النظر فيه لكل ذي علم [كما ذكر الجاحظ في كتاب نظم القرآن]. فالفقيه وإن برز على الأقران في علم الفتاوى والأحكام، والمتكلم وإن بز أهل الدنيا في صناعة الكلام، [وحافظ القصص والأخبار وإن كان من ابن القرية (¬2) أحفظ، والواعظ وإن كان PageV01P037 # من الحسن البصري أوعظ]، والنحوي وإن كان أنحى من سيبويه، واللغوي وإن علك اللغات بقوة لحييه، لا يتصدى منهم أحد لسلوك تلك الطرائق ولا يغوص على شيء من تلك الحقائق إلا رجل قد برع في علمين مختصين بالقرآن، وهما علما المعاني والبيان، وتمهل في ارتيادهما آونة، وتعب في التنقير عنهما أزمنة، [وبعثته على تتبع مظانهما همة في معرفة لطائف حجة الله، وحرص على استيضاح معجزة رسول الله، بعد أن يكون آخذا من سائر العلوم بحظ، جامعا بين أمرين: تحقيق وحفظ، كثير المطالعات، طويل المراجعات، قد رجع زمانا ورجع إليه، [ورد ورد عليه]، فارسا في علم الإعراب، مقدما في حملة الكتاب (يعني كتاب سيبويه). وكان مع ذلك مسترسل الطبيعة منقادها، مشتعل القريحة وقادها، [يقظان النفس]، دراكا للمحة وإن لطف شأنها، منتبها إلى الرمزة وإن خفي مكانها". (¬1)
وقال العلامة السكاكي في المفتاح: "وفيما ذكرنا ما ينبه على أن الواقف على تمام مراد الحكيم تعالى وتقدس من كلامه مفتقر إلى هذين العلمين: المعاني والبيان كل الافتقار، فالويل كل الويل لمن تعاطى التفسير وهو فيهما راجل". (¬2)
وقد ذكر القرطبي في مقدمة التفسير أن من فسر شيئا من القرآن بدون مستند من نقل صحيح أو دليل اقتضته قوانين العلم كالنحو والأصول والبلاغة، فهو متبع لهواه ورأيه المجرد، واقع في الوعيد الوارد فيمن فسر القرآن بهواه ورأيه. (¬3) PageV01P038 # وبرغم هذا ونحوه، فقد رأينا تهافت كثير من الناس على الخوض في تفسير آيات من القرآن. فمنهم من يتصدى لبيان معاني الآيات على طريقة كتب التفسير، ومنهم من يضع الآية ثم يركض في مجالات من أساليب المقالات، تاركا معنى الآية جانبا، جالبا من معاني الدعوة والموعظة ما كان جالبا.
وقد دلت شواهد الحال على ضعف كفاءة البعض لهذا العمل العلمي الجليل، فيجب على العاقل أن يعرف قدره، وأن لا يتعدى طوره، وأن يرد الأشياء إلى أربابها، ويأتي البيوت من أبوابها. وعلى من لا يأنس من نفسه الكفاءة - وهو يرغب في إفادة العموم بمعاني القرآن - أن يقتصر على نقل كلام المفسرين في التفاسير المشتهرة، عازيا ذلك إلى مواقعه، مع التحفظ على عباراته.