تقدمة المؤلف
بسم الله الرحمن الرحيم
{رب اشرح لي صدري، ويسر لي أمري، واحلل عقدة من لساني، يفقهوا قولي} .
يقول العبد المعترف بالقصور, محمد بن الحسن الحجوي الثعالبي الفاسي دارا ومنشئا -وفقه الله:
الحمد لله نحمده ونستعيه ونستغفره, ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا, من يهد الله فلا مضل له, ومن يضلل فلا هادي له، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن سيدنا محمدا عبده ورسوله -صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسيلما.
أما بعد: فقد سألتني -رعاك الله, كيف نشأ الفقه الإسلامي إلى أن صار لما هو عليه الآن؟
فأجيبك إلى رغبتك مستعينا بالله سبحانه, مقدما أمام المقصود ثلاث تمهيدات:
الأول: في مسمى الفقه، وهل هو علم ديني محض أم لا؟
الثاني: في الفقه قبل الإسلام، وهل كان عند العرب فقه وفقهاء أم لا؟
الثالث: في منزلة الفقه في الإسلام.
ثم المقصد في الفقه على عهد الإسلام، وهو أقسام أربعة باعتبار أطوار الفقه الأربعة التي تطور فيها في نظري:
الطور الأول: طور الطفولية, وهو من أول بعثة النبي -صلى الله عليه وسلم- إلى أن توفي.
الثاني: طور الشباب, وهو من زمن الخلفاء الراشدين إلى آخر القرن الثاني.
الثالث: طور الكهولة إلى آخر القرن الرابع.
الرابع: طور الشيخوخة والهرم, وهو ما بعد القرن الرابع إلى الآن، مبينا الأسباب الموجبة لتلك التطورات, ومقدما إمام كل قسم ملخص التاريخ السياسي لتلك المدة في الأمم الإسلامية بإجمال، وفي كل قسم أذكر أشهر مشاهير فقهائه، وسنذيله بما يتطلبه الفقه من التجديد, ثم بيان الاجتهاد والتقليد.
التمهيد الأول: في مسمى الفقه, وهل هو علم ديني أو دنيوي
الفقه في اللغة: العلم والفهم، قال تعالى: {لهم قلوب لا يفقهون بها} 1.
وفي أعلام الموقعين: أن الفقه أخص من الفهم؛ لأن الفقه هو فهم مراد المتكلم من كلامه, وهو قدر زائد على مجرد فهم مما وضعله اللفظ, فالفقه أخص من الفهم لغة2.
وفي الشرع: العلم بالأحكام الشرعية العملية المكتسبة من أدلتها التفصيلية3.
فلا يقال الفقيه إلا لمجتهد، ولغيره مجاز.
وقال أبو البقاء في قواعده نقلا عن الإمام الرازي: الفقه معرفة النفس ما لها وما عليها.
ولا بد من تخصيصه بما يتعلق بالفروع، فهو مبين لأحكام أفعال المكفلين4 من طهارة وصلاة وصوم وزكاة وحج ونكاح وطلاق وزكاة وبيع وإجازة وقتل PageV01P061
وقصاص إلخ.
وهو باعتبار ما يتعلق بالعبادة علم ديني أخروي.
وباعتبار ما يتعلق بالمعاملات وفصل الخصومات دنيوي، فهو دنيوي باعتبار أخروي باعتبار1.
وإن كان الغزالي عده دنيويا حيث قال: "فإن قلت: لم ألحقت الفقه بعلم الدنيا وألحق الفقهاء بعلماء الدنيا؟ فاعلم أن الله أخرج آدم من تراب، وأخرج ذريته من سلالة من طين ومن ماء دافق، فأخرجهم من الأصلاب إلى الأرحام, ومنها إلى الدنيا, ثم إلى القبر, ثم إلى العرض, ثم إلى الجنة أو الناء, فهذا مبدؤهم وهذه غايتهم، وهذه منازلهم, وخلق الدنيا زادا للمعاد ليتناول منها ما يصلح للتزويد, فلو تناولوها بالعدل لانقطعت الخصومات وتعطل الفقهاء, ولكنهم تناولوها بالشهوات, فتولدت منها الخصومات, فمست الحاجة إلى سلطان يسوسهم, واحتاج السلطان إلى قانون يسوسهم به, والفقيه هو العالم بقانون السياسة وطريق التوسط بين الخلق إذا تنازعوا بحكم الشهوات, فكان الفقيه معلم السلطان ومرشده إلى طريق سياسة الخلق، وضبطهم لتنظيم باستقامتهم أمورهم في الدنيا.