[409_2]
يقوله فيه أصحاب الأهواء من القراء، المكثرين من الضجة حول أول نشره، وتحكم على مبلغه من الإجادة محكمة، لك أن تقول إنها مؤلفة من ملائكة، أو من جمهرة لا تحابيك برشوة، ولا تخافك لبأسك وسلطانك، وهي تقضي وتمنح جلاء المجد وعلاقيته لمن هو خليق بهما. وأمثال هذه الأسفار فقط يحق لها أن تحيا. أما المذهبة المعلمة المعمولة بالرقوق المزينة بالنقوش، وإن وزعها صانعها على الوراقين بأسرهم، فإنها تبيد، ولا تصيب من الرواج أكثر مما لها الحق فيه.
ليس في الأرض أزيد من أثني عشر شخصا، في آن واحد، يقرؤون كتاب أفلاطون ويفهمونه. ويتعذر عليك أن تجمع من مجموع قرائه من النقود ما يصح الاعتماد عليه لإعادة طبع كتابه. ومع هذا ترى مصنفه يصل إلى كل جيل لينتفع به هؤلاء الأشخاص القلائل، كأن الله أرسله إليهم مباشرة.
يقول بنتلي: ما من كتاب سقط وباد إلا بما حوته دفتاه - ولا يحدد بقاء الكتاب بما نال من حب أو بغض، ولا يخلد إلا بما فيه من قيمة ذاتية، وبما يحمل من حاجات العقل على الدهر.
لا يعرف الرجل العظيم أنه على شيء من العظمة، والعظمة لا يحرزها إلا إذا أتى عليه قرن أو قرنان، لتكشف للملأ حقيقته. هذا وهو يعمل لأن من واجبه أن يعمل، والدواعي والبواعث حاكمة عليه، ويومئذ يعظم في العيون، وكل ما انبعث منه يغدو رمزا عاما، ومثالا يقتدي به، حتى ما كان من حركة إصبعه الصغرى، وما تناوله من طعام وإدام، فيسمي بذلك صاحب السلطان الأكبر على العقول، والدهماء تعجب بطريقته.
قالوا إن الصورة لا تكذب، والمرء إذا نطق بالحق، بفكر حق، كانت عينه أصفى من السماء، ومتى خالف ذلك وأورد الزور والبهتان، اختلجت عينه وربما أصيبت بالحول. PageV01P411
[410_2]
وأنى لك بمحام لم يقتنع ببراءة موكله أن يقنع المحكمة لتقضي له بالبراءة هذا القانون يسري على أفكارنا، فنحكم على كل أثر بالفكر الذي عرض للمؤلف، يوم أنشأ من بنات أفكاره. وهيهات أن نقول قولا صحيحا أبدا في الحكم على كل شيء، ولو استظهرناه وتدارسناه، ولن يتطاول المرء إلى مكانة لا يستحقها، وباطل أن نحاول معرفة ما يقول الناس فينا، وباطل كل الباطل تخوفنا من أن لا نعرف. ومتى أيقن المرء أنه يحسن شيئا، وأنه يبذ فيه غيره في باب الإحسان، فليثق أن جميله معترف به، وإحسانه مقدور قدره، في كل زمان ومكان. العالم مليء بالأحكام، وإلى أي مجلس اختلف المرء، وفي كل عمل حاوله، لا يكال إلا بقدره، ولا يعلم إلا بميسمه.
قد تقوم للدعوى قائمة، وهي تعجز عن الوفاء بعمل عظيم، وما كانت الدعوى يوما خليقة بإتمام أمر يلابس عظمة حقيقية. فالدعوى لم تكتب الإلياذة، وبالدعوى لم يكسر كسرى، وبالدعوى لم يستجب الناس لرسالة المسيح، وبالدعوى لم يلغ الرقيق. الفضائل تقدر بأثرها، وعلى قدر الصلاح تكون الحرمة، والناس سواء في احترام الفضيلة. وأساتذة الإنسانية هم أصحاب طبقة الكرماء المخلصين، وأرباب الأفكار العالية، يفرضون عليها ما يريدون بثه، ويحاولون الدعوة إليه. وما ضاعت كلمة طيبة قط، وما سقط مجد ولا كرم، من دون أن يلتقطهما قلب ما كان له أن يتوقعهما، فيبارك عليهما ويقدسهما. وقيمة المرء ما يحسن، وما يحسنه منقوش على سيماه وينم عليه ظاهره، وما رزق من سعادة، ولن يفيده التواري، كما لا ينفعه التبجح والتنفج.