مقدمة في علم الإنشاء
الإنشاء لغة الشروع والإيجاد والوضع تقول أنشأ الغلام يمشي إذا شرع في المشي وأنشأ الله العالم أوجدهم وأنشأ فلان الحديث وضعه واصطلاحا علم يعرف به كيفية استنباط المعاني وتأليفها مع التعبير عنها PageV01P015 # بلفظ لائق بالمقام وهو مستمد من جميع العلوم. وذلك لأن الكاتب لا يستثنى صنفا من الكتابة فيخوض في كل المباحث ويتعمد الإنشاء في كل المعارف البشرية.
وينحصر المقصود منه في ثلاثة أبواب وخاتمة وملحق.
الباب الأول في أصول الإنشاء
وهي أربعة: مؤاده وخواصه وطبقاته ومحاسنه.
أما مواده فثلاث: الأولى: الألفاظ الفصيحة الصريحة. , الثانية: المعاني. الثالثة: إيراد المعنى الواحد بطرق مختلفة ومرجعها إلى الفصاحة وعلمي المعاني والبيان. PageV01P016
وأما خواصه فهي محاسنه السبعة وهي: أولا: الوضوح بأن يختار المفردات البينة الدلالة على المقصود وأن يعدل عن كثرة العوامل في المجلة الواحدة وإن يتحاشى عن الالتباس في استعمال الضمائر وأن نسبك الجمل سبكا جليا بدون تعقيد والتباس وأن يتحاشى عن كثرة الجمل الاعتراضية.
وثانيا: الصراحة بأن يكون الإنشاء سالما من ضعف التأليف وغرابة التعبير بحيث يكون الكلام حرا مهذبا تناسب ألفاظه للمعاني المقصودة كما قيل:
تزين معانيه ألفاظه ... وألفاظه زائنات المعاني
ويكون الكلام صريحا بانتقاء الألفاظ الفصيحة والمفردات الحرة الكريمة وكذا بإصابة المعاني وتنقيح العبارات مع جودة مقاطع الكلام وحسن صوغه وتأليفه. وكذا بمراعاة الفصل والوصل وهو العلم بمواضع العطف والاستئناف والاهتداء إلى كيفية إيقاع حروف العطف في مواقعها.
وثالثا: الضبط وهو حذف فضول الكلام وإسقاط مشتركات الألفاظ كقول قيس بن الخطيم المتوفي سنة 612م. PageV01P018
أرى الموت لا يرعى على ذي قرابة ... وإن كان في الدنيا عزيزا بمقعد
لعمرك ما الأيام إلا معارة ... فما اسطعت من معروفها فتزود
ورابعا: الطبعية بأن يخلو الكلام من التكلف والتصنع كما قال في رثاء ابنه أو العتاهية المتوفي سنة 211ه?.
بكيتك يا بني بدمع عيني ... فلم يغن البكاء عليك شيا
وكانت في حياتك لي عظات ... وأنت اليوم أوعظ منك حيا
وذلك لأن من تطبع طبعه نزعته العادة حتى ترده إلى طبعه كما أن الماء إذا أسخنته وتركته عاد إلى طبعه من البرودة. وحينئذ الطبع أملك.
وخامسا: السهولة بأن يخلص الكلام من التعسف في السبك وأن يختار ما لان منها كما قال في الأشواق بهاء الدين زهير المتوفي سنة 656ه?.
شوقي إليك شديد ... كما علمت وأزيد
فكيف تنكر حبا ... به ضميرك يشهد
وأن تهذب الجمل وأن يأتلف اللفظ مع اللفظ مع مراعاة النظير كما قال الشاعر في الوداع.
في كنف الله ظاعن ظعنا ... أودع قلبي وداعه حزنا
لا أبصرت مقلتي محاسنه=إن كنت أبصرت بعده حسنا قال بعض البلغاء أحذركم من التقعير والتعمق في القول وعليكم بمحاسن الألفاظ والمعاني المستخفة المستملحة فإن المعنى المليح إذا كسي لفظا حسنا وأعاره البليغ مخرجا سهلا كان في فلب السامع أحلى ولصدره أملأ قال البستي:
إذا انقاد الكلام فقده عفوا ... إلى ما تشتهيه من المعاني
ولا تكره بيانك أن تأبى ... فلا إكراه في دين البيان
وسادسا: الاتساق بأن تتناسب المعاني كقول المتنبي المتوفي سنة 346ه?. PageV01P019