مقدمة الطبعة الأولى
باسمك اللهم أقدم بين يدي فاتحة الكتاب، وبحمدك أتقدم بين يديك إلى ما تفتح من الصواب، وبالصلاة والسلام على نبيك الحكيم أستفتح من حكمة الألباب هذا الباب؛ اللهم فاجعل لكتابي من اسمك فائدة الذكر والبقاء، واكتب له من حمدك معنى القبول والثناء، وألق عليه من أثر الحكمة بركة المنفعة والنماء.
أما بعد: فإن هذا التاريخ علم قد كثرت عليه الأيدي واضطربت فيه الأقلام، واستبقت إليه العزائم حتى عثرت بها عجلة الرأي ولجاجة الإقدام، وقد أخصب في الأوهام، حتى نفشت في واديه كل جرباء1؛ وامتزج أمره بالأحلام، فلم يمس كتابه علماء حتى أصبح قراؤه أدباء؛ على أنهم تجاذبوه انتهابا فجاء واهيا في وثيقته2، وتناكروه اهتيابا فخرج ضعيف الشبه بين ظاهره حيقيقته3؛ وما منهم إلا من يحسب أنه أمال بالقلم يده مرخى العنان، مخلى له عن طريق السبق إلى الرهان؛ وإن للقلم لو أطلقوه لنفرة أيسر خطبها الجماح، ولكنه مذلل والطائر أهون ما يطرد إذا كان مهيض الجناح4.
كثرت الكتب، وهي إما أعجمي الوضع والنسب، وإما هجين في نسبته إلى أدب العرب5، يلتفت فيها الكلام التفاته السارق إلى كل ناحية6، ويسرع في مرة إسراع السابق على كل ناجية7؛ فلا يحققون ولكن يخلدون إلى سانح الخاطر كيفما خطر8 ولا ينقبون ولكنهم يجدون في كل حجر أصابوه معنى الأثر؛ وإذا كتبوا تاريخ الرجال فكأنهم يكتبونه على ألواح القبور9؛ ثم ينطلق الكتاب وفي صدره اسم "المؤلف" يسعل به كما يسعل المصدور، وهم لو علموا منطق المعاني لرأوا كلاما كثيرا يدعوهم أن يدعوه، وكان يرفعهم، لو أنصفوه ولم يضعوه؛ ولكنهم يأخذون في كل جانب، ويضم ما ضم حبل الحاطب10؛ وإنما كان العلم كالروض؛ يقصر بعض أغصانه فيسهل على كل PageV01P009
متناول، ويطول بعض فروعه فيكد يد الفارع المتطاول، وهذا التاريخ قد طوي في رءوس أهله فكانت جماجمهم غلاف كتابه، وغابت حقائقه في القبور كما يغيب أثر الميت في ترابه؛ فلم يبق إلا إنفاق الأعمار وسيلة لاستدراك ما فات؛ وليكون ما يموت من عمر الأحياء فداء لآثار الحياة بعد من الموت؛ وفي ذلك هم من الكد يلحف القلوب والأكباد1، وحرية تتلذع حتى في القلم والصحيفة والمداد، وضيق يخيل للباحث أن بين الأوراق، بحارا ذات أعماق؛ وأن رأسه يصطدم من أحرف السطور، بحروف الصخور؛ وضجر يتوهم به الكاتب أن روحه تثبت من جسده، إلى يده؛ فيجد للقلم خزا كالحز في الوريد، ومسا من نفسه كمس المبرد للحديد؛ بل يرى كأن المعاني لا تنضج إلا إذا جعل رأسه قدرها، وأوقد من فكره جمرها؛ فيتنسم وكأنه يتنسم بعض دخانها2 ويزفر وكأنما يزفر من حر نيرانها!
وأنا أصور للقارئ هذا الجحيم الذي خلق للكتاب، ولا ذكرت ما أعد لهم فيه من أنواع العذاب، لأدعي أني الكاتب الذي لا يصرف غيره الأقوال، ولا أن كتابي يعد شيئا إذا الأشياء حصلت الرجال3، ولا أن لي محابر الأقلام ومدادها، وبياض الصحف وسوادها؛ فإني لست في هذا "العصر" ممن تخدعه الشمس بطول ظله4، أو تغره النفس بكثرة وقلة5؛ ولكني رأيت من كتب في هذا التاريخ يريد أن يستولي على الأمد وادعا في مكانه، ويلحق الطريدة ثانيا من عنانه، ويستبد بالسبق من قبل أن يجري في رهانه، ومن ألف فقد استهدف أيما استهداف، والرأي -كما قيل- ميزان ولا يزن الوافي لناقص ولا الناقص لواف؛ ولا أكذب الله؛ فإن كتب القوم في الأيدي كالثياب المتداعية: كلما حيصت من ناحية تهتكت من ناحية6؛ اقتصروا فيها على تمزيق الأسفار، فجعلوا القلم كالمقراض7؛ واختصروا من التاريخ أقبح الاختصار، فكأنه لم يكن للعرب أمر ماض؛ وهذا العلم إن لم يزاول بقوة النية خرج ضعيفا، والقلم غصن روحي فإن لم تروه النفس أصبح قصيفا.