بسم الله الرحمن الرحيم
لما أردت أن أكتب هذا الفصل (1) وهممت به، عرضت لي مسألة نظرت فيها أطلب جوابها، ثم قدرت أن يكون أبلغ فلاسفة البيان في أوربا لعهدنا هذا رجلا يحسن العربية المبينة، وقد بلغ فيها مبلغ أئمتها علما وذوقا، ودرس تاريخ النبي - صلى الله عليه وسلم - درس الروح لأعمال الروح، وتفقه في شريعته فقه الحكمة لأسرار الحكمة، واستوعب أحاديثه واعتبرها بفن النقد البياني الذي يبحث في خصائص الكلام عن خصائص النفس؛ وتمثلت أني لقيت هذا الرجل فسألته: ما هو الجمال الفني عندك في بلاغة محمد صلى الله عليه وسلم؟ PageV01P016
وماذا تستخرج لك فلسفة البيان منه؟ وما سره الذي يجتمع فيه؟
ولم يكد يخطر لي ذلك حتى انكشف الخاطر عن وجه آخر، وذلك أن يكون معنى هذا السؤال بعينه قد وقع في شيء من حديث النفس لأبلغ أولئك العرب الذين رأوا النبي - صلى الله عليه وسلم -، وآمنوا به، واتبعوا النور الذي أنزل معه، وقد صحبه فطالت صحبته، لا يفوته من كلامه في الملأ شيء، وخالطه حتى كان له في الإحاطة بأحوال نفسه كبعض التاريخ، فتدبر ما عسى أن يكون سر الجمال في بلاغته - صلى الله عليه وسلم -، وما مرجعه الذي يرد إليه؟
لو دار السؤال دورتيه في هذه السليقة العربية المحكمة التي رجعت أن تكون فلسفة تشعر وتحس، وفي تلك الفلسفة البيانية الملهمة التي بلغت أن تكون سليقة تدرس وتفكر لما خلص من كلتيهما إلا برأي
واحد تلتقي عليه حقيقة البيان من طرفيها، وهو: أن ذلك الجمال الفني في بلاغته - صلى الله عليه وسلم - إنما هو أثر على الكلام من روحه النبوية الجديدة على الدنيا وتاريخها.
وبعد:
فأنا في هذه الصفحات لا أصنع شيئا غير تفصيل هذا الجواب وشرحه، باستخراج معانيه، واستنباط أدلته، والكشف عن أسراره وحقائقه؛ ولقد درست كلامه - صلى الله عليه وسلم -، وقضيت في ذلك أياما أتتبع السر الذي وقع في التاريخ القفر المجدب فأخصب به، وأنبت للدنيا أزهاره الإنسانية الجميلة، فكانوا ناسا إن عبتهم بشيء لم تعبهم إلا أنهم دون الملائكة؛ وكانوا ناسا، دارت الكرة الأرضية في عدهم ثلاث دورات: واحدة حول الشمس، وثانية حول نفسها، وثالثة حول أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم -.
ثم تركت الكلام النبوي يتكلم في نفسي ويلهمني ما أفصح به عنه، فلكأني به يقول في صفة نفسه: إني أصنع أمة لها تاريخ الأرض من بعد، فأنا أقبل من هنا وهناك، وأذهب هناك وهنا، مع القلوب والأنفس والحقائق، لا مع الكلام والناس والوقت.
إن ههنا دنيا الصحراء ستلد الدنيا المتحضرة التي من ذريتها أوربا وأمريكا؛ فالقرآن والحديث يعملان في حياة أهل الأرض بنور متمم لما يعمله نور الشمس والقمر.
وقد كان المسلمون يغزون الدنيا بأسلحة هي في ظاهرها أسلحة المقاتلين، ولكنها في معانيها أسلحة الأطباء؛ وكانوا يحملون الكتاب والسنة، ثم مضوا إلى سبيلهم وبقي الكلام من بعدهم غازيا محاربا في العالم كله حرب تغيير وتحويل إلى أن يدخل الإسلام على ما
دخل عليه الليل (1). PageV01P020
هذا منطلق الحديث في نفسي. وقد كنت أقرؤه وأنا أتمثله مرسلا بتلك الفصاحة العالية من فم النبي - صلى الله عليه وسلم - حيث يمر إعجاز الوحي أول ما يخرج به الصوت البشري إلى العالم، فلا أرى ثم إلا أن شيئا إلهيا عظيما متصلا بروح الكون كله اتصال بعض السر ببعض السر، يتكلم بكلام إنساني هو هذا الحديث الذي يجيء في كلمات قوية رائعة، فنها في بلاغتها كالشباب الدائم.