وهكذا يفعلون الآن؛ ظهرت لهم فى عصرنا عدة آيات روحية من المكاشفات والتأثير فى المادة فيشبهوها بما عرفوا من الأمور المادية، فأطلقوا على تلك المكاشفات اسمى قراءة الأفكار ومراسلة الأفكار، وقالوا إنها من قبيل نقل الكلام بالسيال الكهربائى من مكان إلى مكان، حتى لا يعترفوا بآية إبداعية أو غيبية من الخالق لا تخضع لعلمهم، وهم ما زالوا يرتقون فى الأسباب إلى أن وصلوا من ظواهر تكوين الكهرباء الإيجابية والسلبية (بما يسمونه: الكترون والبروتون) إلى مستوى قريب من عالم الغيب، وظنوا أنهما أصل لكل ما فى عالم الشهادة من شىء. على أن الكهرباء ليست بمادة محض، ولا بقوة محض، ولكنها شىء موجود دخل فى حكم علمهم بوجه ما، وهم عتاة لا يؤمنون إيمانا تعبديا إلا بآية تعلو على مدارك علمهم وعقولهم.
الخطر على البشر من ارتقاء العلم بدون الدين:
إن حرمان هؤلاء العلماء من الإيمان بآية كونية لله تعالى من هذا النوع قد جعل حظ البشر من هذا الارتقاء العجيب فى العلم أنهم ازدادوا به شقاء حتى صارت حضارتهم مهددة بالتدمير العلمى الصناعى فى كل يوم، وجميع علمائهم المصلحين، وساستهم الدهاقين. فى حيرة من تلافى هذا الخطر، ولن يتلافى إلا بالجمع بين العلم والدين، وهذا ما جاءهم به محمد خاتم النبيين، ولأجله أثبتت الآيات بكتابه وفى كتابه المبين. إذ لا يمكن أن يخضع البشر إلا لما هو فوق استطاعتهم. بقيام الدليل على أنه من السلطان الغيبى الإلهى الذى هو فوق استعدادهم، ولا يظهر هذا السلطان والبرهان فى علوم الكون. لما ذكرنا من شنشنتهم فيها، وإنما يظهر أكمل الظهور فى هذا القرآن، وسنتحداهم به أتم التحدى فى خاتمة هذا الكتاب ... PageV01P172
المقصد الثالث من مقاصد القرآن إكمال نفس الإنسان من الأفراد
والجماعات والأقوام
(بجعل الإسلام دين الفطرة السليمة، والعقل والفكر، والعلم والحكمة، والبرهان والحجة، والضمير والوجدان، والحرية والاستقلال).
قد أتى على البشر حين من الدهر لا يعرفون من الدين إلا أنه تعاليم خارجة عن محيط العقل كلف البشر «1» مقاومة فطرتهم بها، وتعذيب أنفسهم ومكابرة عقولهم وبصائرهم خضوعا للرؤساء الذين يلقنونهم إياها، فإن انقادوا لسيطرتهم عليهم بها كانوا من الفائزين، وإن خالفوهم سرا أو جهرا كانوا من الهالكين، والحق الواقع أنهم كانوا بهذا الخضوع والخنوع من الخاسرين، ولكن عجز عقلاؤهم وحكماؤهم عن انتياشهم (وانتشالهم) من مهاوى التهلكة، وإخراجهم من ظلمات الشرك والظلم والاستبداد. إلى نور التوحيد والحرية والعدل والاستقلال.
حتى إذا بعث الله رسوله محمدا خاتم النبيين- يتلو عليهم آياته ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم مما كانوا فيه من الضلال المبين- كان هو الذى أخرجهم من الظلمات إلى النور، وبين لهم أن دين الله الإسلام هو دين الفطرة، والعقل، والفكر، والعلم، والحكمة، والبرهان والحجة، والضمير والوجدان، والحرية والاستقلال، وأن لا سيطرة على روح الإنسان وعقله وضميره لأحد من خلق الله، وإنما رسل الله هداة مرشدون، مبشرون ومنذرون كما تقدم بيانه فى المقصد الذى قبل هذا، ونبين هذه المزايا بالشواهد المختصرة من القرآن فنقول: