الإيمان بالقدر والسنن العامة وآيات الله الخاصة
إننا نؤمن بأن الله تعالى هو خالق كل شىء بقدرته وإرادته، واختياره وحكمته، وأنه الذي أحسن كل شيء خلقه كما قال فى سورة الم [السجدة، الآية: 7]، صنع الله الذي أتقن كل شيء كما قال فى سورة [النمل، الآية: 88]، وأنه ليس فى خلقه تفاوت ولا فطور كما قال فى سورة [الملك، الآية: 3]، وأنه خلق كل شىء بنظام وتقدير لا جزافا ولا أنفا «1»، كما قال فى سورة [القمر، الآية: 49] إنا كل شيء خلقناه بقدر، وقال فى [سورة الفرقان، الآية: 2] وخلق كل شيء فقدره تقديرا، وقال فى سورة [الحجر، الآية: 19 - 21] وأنبتنا فيها من كل شيء موزون (19) وجعلنا لكم فيها معايش ومن لستم له برازقين (20) وإن من شيء إلا عندنا خزائنه وما ننزله إلا بقدر معلوم «2».
وأن له تعالى فى نظام التكوين والإبداع، وفيما هدى إليه البشر من نظام الاجتماع، سننا مطردة تتصل فيها الأسباب بالمسببات، لا تتبدل ولا تتحول محاباة لأحد من الناس، وأن سننه تعالى عامة فى عالم الأجسام وعالم الأرواح، وقد ورد ذكر السنن الاجتماعية باللفظ فى سورة: المائدة، والأنفال، والحجر، والإسراء، والكهف، والأحزاب، وفاطر، والمؤمن (غافر)، والفتح.
فهذه الآيات البينات ناطقة بأن القدر والتقدير عبارة عن النظام العام فى الخلق الذى تكون فيه الأشياء بقدر أسبابها بحسب السنن والنواميس العامة التى وضعها الخالق لها، لا ما اشتهر عند الجماهير من الناس من أن المقدر ما ليس له سبب، أو ما يفعله الله على خلاف النظام والسنن، وقد يصح إطلاقه على ما لا يعرفون سببه، ولا يحيط بأسباب الحوادث علما إلا خالقها، ومقدر سببها وسنتها.
نؤمن بأن له تعالى فى خلقه آيات بينات، وأن له فى آياته حكما جلية أو خفية، وأن ما منحنا إياه من العقل والشرع يأبيان علينا أن نثبت وقوع شىء فى الخلق على خلاف ما تقدم بيانه من نظام التقدير، وسنن التدبير، إلا ببرهان قطعى يشترك العقل والحس فى إثباته PageV01P169 وتمحيصه، وأنه لا بد أن يكون وقوعه لحكمة بالغة لا عن خلل ولا عبث، وأن ما خفى علينا من حكمه تعالى فهو كسائر ما يخفى علينا من أمور خلقه، نبحث عنهما لنزداد علما بكماله، ونكمل به أنفسنا بقدر استطاعتنا، ولا نتخذها حجة ولا عذرا على الكفر به لجهلنا، وقد ثبت لأعلم علماء البشر فى كل عصر أن ما نجهل من هذا الكون أكثر مما نعلم، ويستحيل أن يحيط البشر به علما.
أجمع على هذا علماء هذا العصر الماديين على سعة علمهم بالمادة وسننها، وكثرة ما أحدثوا من الصناعات والمنافع بتسخيرها، فما قولك بعالم الروح والغيب؟ إنه ليظهر فيهم قبلهم صدق قوله تعالى: ويسئلونك عن الروح قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إلا قليلا [الإسراء: 85].
ونؤمن بأن الله تعالى قد أرسل إلى البشر رسلا هدوهم بآياته إلى الخروج من مضيق مدارك الحس، وما يستنبطه الفكر منها بادئ الرأى، إلى ما وراءها من سعة عالم الغيب، ولولا هدايتهم لظل البشر ألوف الألوف من السنين ينكرون وجود ما لم يكونوا يدركونه بحواسهم من الأجسام وأعراضها، وبقياسهم ما جهلوا على ما علموا منها. وما ينكره الإنسان ويعتقد استحالة وجوده لا يبحث عنه.
وقد علمنا من التاريخ أن الإيمان بالله وبآياته لرسله، وباليوم الآخر، وبما يكون فيه من الحساب والجزاء على الأعمال، هو الذى وجه عقول البشر إلى البحث فى أسرار الوجود، حتى وصلوا إلى ما وصلوا إليه من الارتقاء فى العلوم والفنون والصناعات فى الأجيال المختلفة، ولم يكن لغير المؤمنين بالغيب منهم نصيب فى ذلك- فهذا الإيمان بالأركان الثلاثة من الغيب هو الذى أوصل البشر إلى علوم وأعمال كان يعدها غير المؤمنين بالغيب من مجالات العقول كالغيب الذى أنكروه، حتى لم يعد شىء من أخبار الغيب بعيدا عن العقل بعد ثبوتها.