بحث فى الآيات الكونية التى أيد الله بها رسله وما يشبه بعضها
من الكرامات، وما يشتبه بها من خوارق العادات وضلال الماديين والخرافيين فيها
تكلمنا فى الفصل الثانى فى آيات الأنبياء التى تسميها النصارى بالعجائب، ويسميها علماء الكلام منا بالمعجزات، ويعدونها قسما من خوارق العادات، وكان الكلام فيها هنالك للمقابلة والموازنة بين آيات الأنبياء الكونية وآيات خاتمهم الكبرى العلمية العقلية الدائمة وهى القرآن، وتأثير كل فى الاهتداء إلى الإيمان.
ونأتى هنا ببحث آخر فى تلك الآيات، وما يشبهها أو يشتبه بها من الكرامات، وسائر خوارق العادات، وما كان من إصلاح الإسلام لضلال البشر فيها، والصعود بهم إلى أعلى مراقى الإيمان، واللائق بطور الرشد العقلى لنوع الإنسان، والعلم الواسع بسنن الأكوان، الذى منحوه برسالة محمد خاتم النبيين عليه الصلاة والسلام، فنقول:
آيات الله تعالى فى خلقه نوعان:
(النوع الأول): الآيات الجارية على سننه تعالى العامة المطردة فى نظام الخلق والتكوين وهى أكثرها وأظهرها وأدلها على كمال قدرته وإرادته، وإحاطة علمه وحكمته، وسعة فضله ورحمته.
(النوع الثانى): الآيات الجارية على خلاف السنن المعروفة للبشر وهى أقلها وربما كانت أدلها عند أكثر الناس على اختياره عز وجل فى جميع ما خلق وما يخلق، وكون قدرته ومشيئته غير مقيدتين بسنن الخلق التى قام بها نظام هذا العالم، فالسنن مقتضى حكمته وإتقانه لكل شىء خلقه، وقد يأتى بما يخالفها لحكمة أخرى من حكمه البالغة، ولولا هذا الاختيار لكان العالم كالآلات التى تتحرك بنظام دقيق لا علم لها ولا إرادة ولا اختيار فيه، كآلة الساعة الصغيرة التى تعرف بها أوقات الليل والنهار. وآلات البواخر والمعامل الكبيرة.
والماديون المنكرون لوجود الخالق، والفلاسفة الذين يسمونه العلة الفاعلة للوجود يعبرون عن هذا النظام (بنظرية الميكانيكية)، وهم يتكلفون اختراع العلل والأسباب لكل ما يرونه مخالفا لسننه المعروفة، ويسمون ما لا يهتدون إلى تعليله من الأمور المخالفة لها بفلتات PageV01P149 الطبيعة، ويقيسون ما لم يظهر لهم تعليله على ما اقتنعوا بتعليل له وإن لم يقم عليه دليل يثبته، ويقولون إن ما لم يظهر لنا اليوم فلا بد أن يظهر لنا أو لمن بعدنا غدا. وهذا دأبهم فى جميع نظرياتهم العلمية إذ ليس عندهم علم قطعى بشيء منها، وهذا مرادهم من تسميتها بالنظريات، فمعناها المسائل الموضوعة للنظر والبحث والاستدلال «1».