وبذلك كان الخلفاء والحكام من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن تبعهم من خلفاء العرب أعدل حكام الأمم فى الأرض حتى فى عهد الفتح، قال بعض حكماء الإفرنج «1»: ما عرف التاريخ فاتحا أعدل ولا أرحم من العرب، ولكنهم لم يتقوا فتن السياسة والرئاسة لقلة خبرتهم. فعوقبوا عليها بتفرقهم وضعفهم وزوال ملكهم، وكان من بعدهم من أعاجم المسلمين دونهم لجهلهم بكل نوع من أنواع التقوى الواجبة، وحرمانهم من فرقانها، فهم يزعمون أنهم يجددون مجدهم، مع جهل هذا الفرقان المبين، وعدم الاعتصام بالتقوى المزكية للنفس، المؤهلة لها للإصلاح فى الأرض، بل مع انغماسهم فى السكر والفواحش، لظنهم أن الإفرنج قد ترقوا فى دنياهم بفساقهم
وفجارهم، وإنما ترقوا بحكمائهم وأبرارهم، الذين وقفوا حياتهم على العلم والعمل النافع.
ويكفر عنكم سيئاتكم ويغفر لكم هذا عطف على يجعل لكم فرقانا، أى:
ويمحو بسبب هذا الفرقان وتأثيره ما كان من تدنيس سيئاتكم لأنفسكم فتزول منها داعية PageV01P137 العود إليها المؤدى إلى الإسرار المهلك، ويغفرها لكم بسترها وترك العقاب عليها والله ذو الفضل العظيم، ومن أعظم فضله أن جعل هذا الجزاء العظيم (وهو الفرقان) بقسميه السلبى والإيجابى جزاء للتقوى وأثرا لها». انتهى تفسير الآية مختصرا.
سنة القرآن فى الإرشاد إلى العبادات
وأما سنة القرآن فى الإرشاد إلى الأعمال الصالحة فهى بيان أصولها ومجامعها وتكرار التذكير بها بالإجمال، وأكثر ما يحث عليه من العبادات الصلاة التى هى العبادة الروحية العليا، والاجتماعية المثلى، والزكاة التى هى العبادة المالية الاجتماعية الكبرى. كرر الأمر بهما فى آيات كثيرة، وبين أهم منافعهما بقوله تعالى: اتل ما أوحي إليك من الكتاب وأقم الصلاة إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون [العنكبوت: 45]، وقوله تعالى: إن الإنسان خلق هلوعا (19) إذا مسه الشر جزوعا (20) وإذا مسه الخير منوعا (21) إلا المصلين (22) الذين هم على صلاتهم دائمون (23) والذين في أموالهم حق معلوم (24) للسائل والمحروم [المعارج: 19 - 25].
ولم يكرر فيه ما يحفظ بالعمل والاقتداء بالرسول من أحكام الصلاة والزكاة والصيام والحج، بل لم يذكر منها إلا ما لذكره فائدة خاصة. وذكرت فيه أحكام الصيام فى موضع واحد من السورة الثانية، ولم يذكر فيه عدد الركعات فى كل صلاة، ولا عدد الركوع والسجود ولا نصاب الزكاة فى كل نوع مما تجب فيه؛ لأن كل هذا يؤخذ من بيان الرسول ويحفظ بالعمل، وليس فى ذكره تزكية للنفس ولا تغذية للإيمان، وسيأتى بعض فوائد الزكاة فى الكلام على إصلاح القرآن المالى من المقصد السابع.
وسنعقد فى ملحقات الكتاب من الجزء الثانى منه فصلا فى أسرار العبادات الإسلامية من روحية واجتماعية وصحية نبين بها فضلها وامتيازها على جميع عبادات الملل الأخرى؛ فيعلم به أنه لو لم يجئ محمد صلى الله عليه وسلم بغيرها لنهضت برهانا على نبوته. وإكمال الله الدين به. PageV01P138