(ونقول): ما كان محمد ولا أحد من أهل عصره يعلمون هذا. لكن الله يعلم من طبائع الجماعات والأقوام. فوق ما يعلمه حكماء عصرنا وسائر الأعصار، وإنما القرآن كلامه ليس فيه من التكرار، إلا ما له أكبر الشأن فى انقلاب الأفكار، وتغيير ما فى الأنفس من العقائد والأخلاق، ولو جمعت أبلغ خطب رجال السياسة التى أحدثت التأثير فى أحزابهم وقرئت بعد ذلك مرات قليلة لسارع الملل إلى نفس كل قارئ حتى أتباع ذلك الخطيب أنفسهم وقراءة القرآن لا يملها أحد يفهم معانيها، ويذوق حلاوة أسلوبها.
ألا وإن تقليب القلوب والأفكار، لأعسر من فلق الصخور وتحويل الجبال، وقد ضرب الله لهذا المثل بقوله: لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعا متصدعا من خشية الله وتلك الأمثال نضربها للناس لعلهم يتفكرون [الحشر: 21].
وهكذا كان تأثير القرآن فى العرب، فهذا مثلهم، وأما مثل بنى إسرائيل بعد رؤيتهم آيات الله لموسى فقوله لهم بعد سردها: ثم قست قلوبكم من بعد ذلك فهي كالحجارة أو أشد قسوة وإن من الحجارة لما يتفجر منه الأنهار وإن منها لما يشقق فيخرج منه الماء وإن منها لما يهبط من خشية الله وما الله بغافل عما تعملون [البقرة: 74]. PageV01P116
حسبنا ما بينا به تأثير القرآن، وما أحدثه من الثورة العربية العالمية من ناحية أسلوبه ونظمه وتكراره المعجز للبشر بشكله، ونقفى عليه بإصلاحه وإعجازه بموضوعه، وهو تعاليمه الدينية والسياسية والمدنية وغيرها. فنقول:
*** PageV01P117
الفصل الخامس فى مقاصد القرآن فى تربية نوع الإنسان وحكمة ما فيه من التكرار فى الهداية وإعجازه بالبيان
إن مقاصد القرآن من إصلاح أفراد البشر وجماعاتهم وأقوامهم، وإدخالهم فى طور الرشد، وتحقيق. أخوتهم الإنسانية ووحدتهم، وترقية عقولهم، وتزكية أنفسهم؛ منها ما يكفى بيانه لهم فى الكتاب مرة أو مرتين أو مرارا قليلة، ومنها ما لا تحصل الغاية منه إلا بتكراره مرارا كثيرة لأجل أن يجتث من أعماق الأنفس كل ما كان فيها من آثار الوراثة والتقاليد والعادات القبيحة الضارة، ويغرس فى مكانها أضدادها، ويتعاهد هذا الغرس بما ينميه حتى يؤتى أكله، ويبدو صلاحه، ويينع ثمره، ومنها ما يجب أن يبدأ بها كاملة، ومنها ما لا يمكن إلا بالتدريج، ومنها ما لا يمكن وجوده إلا فى المستقبل، فيوضع له بعض القواعد العامة، ومنها ما يكفى فيه الفحوى والكناية.
والقرآن كتاب تربية عملية وتعليم، لا كتاب تعليم فقط، فلا يكفى أن يذكر فيه كل مسألة مرة واحدة واضحة تامة كالمعهود فى متون الفنون وكتب القوانين وقد بين الله تعالى ذلك بقوله فى موضوع البعثة المحمدية: يسبح لله ما في السماوات وما في الأرض الملك القدوس العزيز الحكيم (1) هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم يتلوا عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين [الجمعة: 1، 2]، فآياته المتلوة هى سور القرآن، المرشدة إلى سننه فى الأكوان، والتزكية هى التربية بالعمل وحسن الأسوة، و(الكتاب) هو الكتابة التى تخرج العرب من أميتهم، و(الحكمة) هى العلوم النافعة الباعثة على الأعمال الصالحة، وما يسمى فى عرف شعوب الحضارة بالفلسفة، فجميع مقاصد القرآن وبيان السنة له تدور على هذه الأقطاب الثلاثة.