وقال أحد ملاحدة المصريين: إن سولون الحكيم اليونانى وضع قانونا وشريعة لقومه فليس بدعا فى العقل أن يضع محمد شريعة أيضا، وسأبين فساد هذا الرأى أيضا. PageV01P082
تفنيد تصويرهم للوحى النفسى وإبطاله من وجوه
(الوجه الأول): إن أكثر المقدمات التى أخذوا منها هذه النتيجة هى آراء متخيلة، أو دعاوى باطلة، لا قضايا تاريخية ثابتة، كما بيناه عند ذكرها، وإذا بطلت المقدمات بطل لزوم النتيجة لها.
مثال ذلك: زعمهم أن محمدا صلى الله عليه وسلم سمع من نصارى الشام خبر غلب الفرس وظهورهم على الروم؛ ليوهموا الناس أن ما جاء فى أول سورة الروم من الإنباء بالمسألة، وبأن الروم سيغلبون الفرس بعد ذلك؛ هو مستمد مما سمعه صلى الله عليه وسلم من نصارى الشام، وهذا مردود بدلائل التاريخ والعقل؛ فأما التاريخ فإنه يحدثنا بأن ظهور الفرس على الروم كان فى سنة 610 م وذلك بعد رحلة محمد الأخيرة إلى الشام بأربع عشر سنة وقبل بدء الوحى بسنة. ثم إن التاريخ أنبأنا أن دولة الروم كانت مختلة معتلة فى ذلك العهد بحيث لم يكن أحد يرجو أن تعود لها الكرة والغلب على الفرس، حتى أن أهل مكة أنفسهم هربوا بالخبر، وراهن أبو بكر أحدهم على ذلك وأجازه النبى صلى الله عليه وسلم فربح الرهان «1»، وأما العقل فإنه يحكم بأن مثل محمد فى سمو إدراكه المتفق عليه لا يمكن أن يجزم بأن الغلب سيعود للروم على الفرس فى مدة بضع سنين، لا من قبل الرأى ولا من الوحى النفسى المستمد من الأخبار غير الموثوق بها، وقد صح أن انتصار الروم وقع سنة 622 م، وكان وحى التبليغ للنبى صلى الله عليه وسلم سنة 614 م، فإذا فرضنا أن سورة الروم نزلت فى هذه السنة يكون النصر قد حصل بعد ثمانى سنين، وإن كان فى السنة الثانية تكون المدة سبع سنين، وهو المعتمد فى التفسير، والبضع يطلق على ما بين الثلاث والتسع.
والحكمة فى التعبير عن هذا النبأ بقوله تعالى: غلبت الروم (2) في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون (3) في بضع سنين [الروم: 2 - 4]، ولم يقل بعد سبع أو ثمان PageV01P083 مثلا، هى إفادة أن الغلب يكون فى الحرب الممتدة فى هذه المدة، وأنباء الوحى والعبر لا تكون بأسلوب التاريخ يحدد الوقائع بالسنين، وليس فى وعود القرآن الكثيرة للمسلمين بالنصر وغيره من أنباء الغيب ذكر السنين ولا الشهور، فهذه الآية فريدة فى بابها.
ومثال آخر: ما زعموا من مروره صلى الله عليه وسلم فى رحلته إلى الشام بأرض مدين وحديثه مع أهلها، الذى أرادوا به أن يجعلوه أصلا لما جاء فى القرآن من أخبارها والخبر باطل كما أشرنا إليه عند نقلنا إياه فى المقدمات، ولو صح لما كان من المعقول أن يعتمد محمد على ما سمعه فى الطريق من أناس مجهولين لا يوثق بمعرفتهم ولا يصدقهم فيجعله أصلا للوحى الذى جاءه فى قصة موسى وقصة شعيب عليهما السلام.
(الوجه الثانى): لو كان النبى صلى الله عليه وسلم تلقى عن علماء النصارى فى الشام شيئا أو عاشرهم لنقل ذلك أتباعه الذين لم يتركوا شيئا علم عنه أو قيل فيه- ولو لم يثبت- إلا ودونوه ووكلوا أمر صحته أو عدمها إلى إسناده وما علم من سيرة رواته.
(الوجه الثالث): لو وقع ما ذكر لاتخذه أعداؤه من كبار المشركين شبهة يحتجون بها على أن ما يدعيه من الوحى قد تعلمه فى الشام من النصارى، فإنهم كانوا يوردون عليه ما هو أضعف وأسخف من هذه الشبهة، وهو أنه كان فى مكة قين (حداد) رومي يصنع السيوف وغيرها، فكان النبى صلى الله عليه وسلم يقف عنده أحيانا يشاهد صنعته فاتهموه بأنه يتعلم منه، فرد الله عليهم بقوله: ولقد نعلم أنهم يقولون إنما يعلمه بشر لسان الذي يلحدون إليه أعجمي وهذا لسان عربي مبين [النحل: 103].