«وهنا تبدأ حياة حدة روحية قوية غاية القوة. حياة تأخذ بالأبصار والألباب، ولكنها حياة تضحية خالصة لوجه الله والحق والإنسانية» أ. ه.
أقول: إن كل ما هنا من خبر أو جله غير صحيح، ولو صحت لكان ما استنبطه منها مما يخطر بالبال، ولكن الوحى المحمدى فوق كل استنباط وكل احتمال، فمن أين علم هذا الإفرنسى أن محمدا نسى الليل والنهار، والحلم واليقظة؟ وأنه كان يقضى الساعات الطوال جاثيا فى الغار أو مستلقيا فى الشمس ... إلخ وإنه قضى ستة أشهر فى هذا
الحال؟.
قد افترى فى الأخبار «1» ليستنبط منها أنه صار صلوات الله عليه مقلوبا على عقله، غائبا عن حسه، غارقا فى بحر لجى من خياله. أثمر له انبثاق ذلك الوحى العالى من نفسه، وتجليه لبصره وسمعه.
وإننى أبدأ الرد عليه وعلى أمثاله بنقل أصح الروايات فى خبر تحنثه فى الغار الليالى ذوات العدد- من شهر رمضان فى تلك السنة لا فيما قبلها- لتفنيد أخيلته وشعرياته، وإبطال نتيجة مقدماته، وللاستغناء بها عما نقله من الخلط فى صفة الوحى من الفصل الذى بعد هذا من كتابه. ذلك ما رواه الشيخان البخارى ومسلم فى صحيحيهما، وهذا نص رواية البخارى رضى الله عنه فى كتابه الجامع الصحيح. PageV01P075
باب كيف كان بدء الوحى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم
افتتح الحافظ البخارى هذا الباب، بل الكتاب كله بروايته لحديث: «إنما الأعمال بالنيات» ثم قال:
حدثنا عبد الله بن يوسف قال أخبرنا مالك عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة أم المؤمنين رضى الله عنها أن الحارث بن هشام رضى الله عنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله كيف يأتيك الوحى «1»؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أحيانا يأتينى مثل صلصلة الجرس «2» وهو أشده على، فيفصم «3» عنى وقد وعيت عنه ما قال، وأحيانا يتمثل لى الملك رجلا «4» فيكلمنى فأعي ما يقول، قالت عائشة رضى الله عنها: PageV01P076
(ولقد رأيته ينزل عليه الوحى فى اليوم الشديد البرد فيفصم عنه وإن جبينه ليتفصد عرقا «1»).
حدثنا يحيى بن بكير، قال حدثنا الليث عن عقيل عن ابن شهاب عن عروة بن الزبير عن عائشة أم المؤمنين أنها قالت: أول ما بدئ به رسول الله صلى الله عليه وسلم من الوحى الرؤيا الصالحة فى النوم «2»، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح، ثم حبب إليه الخلاء، وكان يخلو بغار حراء فيتحنث فيه «3» - وهو التعبد- الليالى ذوات العدد قبل أن ينزع إلى أهله ويتزود لذلك، ثم يرجع إلى خديجة فيتزود لمثلها، حتى جاءه الحق «4» وهو فى غار حراء فجاءه الملك فقال: «أقرأ، قال: ما أنا بقارئ «5»، قال: فأخذنى فغطنى «6» حتى بلغ منى PageV01P077 الجهد، ثم أرسلنى فقال: أقرأ، فقلت: ما أنا بقارئ، فأخذنى فغطنى الثانية، حتى بلغ منى الجهد، ثم أرسلنى فقال: أقرأ فقلت: ما أنا بقارئ، فأخذنى فغطنى الثالثة. ثم أرسلنى فقال: اقرأ باسم ربك الذي خلق (1) خلق الإنسان من علق (2) اقرأ وربك الأكرم «1» [العلق: 1 - 3]»، فرجع بها رسول الله صلى الله عليه وسلم يرجف فؤاده، فدخل على خديجة بنت خويلد رضى الله عنها فقال: «زملونى زملونى» فزملوه حتى ذهب عنه الروع، فقال لخديجة وأخبرها الخبر: «لقد خشيت على نفسى «2»» فقالت خديجة: كلا والله ما يخزيك الله أبدا «3» إنك لتصل الرحم، وتحمل الكل، وتكسب المعدوم، وتقرى الضيف، وتعين على نوائب الحق.