المقدمة العاشرة: ضعف الوثنية فى العرب، وتعبد محمد فى الغار
وسببها بزعم درمنغام
زعم درمنغام أن ما ذكره من تغلغل النصرانية فى بلاد العرب أوجد فيها حالة نفسية أدت إلى زيادة إمعانهم فيما كانوا يسمونه فى الجاهلية التحنث أو التحنف، وزعمه هذا له أصل ولكنه زاد فيه وكبره وفرع عليه قوله:
«وكان محمد يجد فى التحنث طمأنينة لنفسه أن كان له بالوحدة شغف، وأن كان يجد فيها الوسيلة إلى ما برح شوقه يشتد إليه من نشدان المعرفة واستلهام ما فى الكون من أسبابها، فكان ينقطع كل رمضان طول الشهر فى غار حراء بحبل أبى قبيس مكتفيا بالقليل من الزاد يحمل إليه ليمضى أياما طويلة بالغار فى التأمل والعبادة بعيدا عن ضجة الناس وضوضاء الحياة».
وأقول: إن روايات المحدثين تفيد أنه حبب إليه الخلاء والوحدة والتحنث فى غار حراء فى العام الذى جاءه فيه الوحى، وكان هو يحمل الزاد، وما كان أحد يحمله إليه، وما ذكره ابن إسحاق من تعبده فيه فى شهر رمضان كل سنة إنما كان فى زمن فترة الوحى كما سيأتى. ولم يكن فى أعوام ولا شهور قبله.
وأما قوله: إنه كان يتوسل بذلك إلى ما اشتد شوقه إليه من المعرفة وابتغاء الإلهام مما فى الكون من أسبابها، فهو مما يخطر فى بال الباحث فى حياة رجل صدر عنه عقب هذه الخلوة ما صدر من علم ومعرفة وإصلاح، وإرشاد إلى النظر والتفكير فى آيات السموات والأرض، ولكن لم يرو عنه صلى الله عليه وسلم أنه كان يقصد ذلك ويبتغيه، ولا روى عن أصحابه وأترابه الذين كانوا يعرفون سيرته الطاهرة وآمنوا به كأبى بكر وعثمان وعميه حمزة والعباس، ولا عن ربيبه وصفيه وابن عمه على،
ولا حبه ومولاه زيد بن حارثة- رضى الله عنهم-، والتحقيق فى ذلك كله ما تراه فى المباحث الآتية: PageV01P072
نتيجة تلك المقدمات العشر
هنا وصل درمنغام إلى آخر المقدمات التى تتصل بالنتيجة المطلوبة له، فأرخى لخياله العنان، ونزع من جواده اللجام، ونخسه بالمهماز، فعدا به سبحا، وجمح به جمحا، وأورت حوافره له قدحا فأثارت له نقعا وأذن لشاعريته الفرنسية فى بريق لمعها، وظلمة نقعها، أن تصف محمدا عند ذلك الغار، بما تحدثه فى نفسه مشاهد نجوم الليل وما تسفعه به شمس النهار، وما تخيل إليه أنه كان يراه فى قنة الجبل من صحارى وقفار، وخيام وآبار، وما ثم خيام ولا آبار، ومن رعاة تهش على غنمها حيث لا أشجار، حتى ذكر البحار على بعد البحار، وسيذكر موج البحر أيضا، ونسى أن يصف الفلك المواخر فيه، وما يعرض لها فى حالة الرهو والريح الطيبة، وحالة العواصف والأمواج المصطخبة، فكل منهما فى القرآن، ولم يكن رآه محمد من جبل حراء.
قد أتقن هذا الفرنسى التخيل الشعرى، ولكنه لم يوافق به الوصف الموضعى.
ثم قال مصورا لما يبتغيه محمد صلى الله عليه وسلم من مشاهداته المزعومة:
«وهذه النجوم فى ليالى صيف الصحراء كثيرة شديدة البريق حتى ليحسب الإنسان أنه يسمع بصيص ضوئها، وكأنه نغم نار موقدة».
«حقا! إن السماء لشارات للمدركين، وفى العالم غيب كله. ولكن ألا يكفى أن يفتح الإنسان عينيه ليرى، وأن يرهف أذنه ليسمع؟ ليرى حقا؟ وليسمع الكلم الخالد؟ لكن الناس عيونا لا ترى وآذانا لا تسمع. أما هو فيحسب (!!) أنه يسمع ويرى. وهل تحتاج لكى تسمع ما وراء السماء من أصوات إلا إلى قلب خالص ونفس مخلصة وفؤاد ملئ إيمانا؟».