المقدمة الثامنة: تصوير مجامع قريش بمكة وشأن محمد فيها
ثم ذكر درمنغام أن العرب- ولا سيما أهل مكة- كانوا يصرفون معظم أوقاتهم بعد ما يكون من تجارة أو حرب فى الاستمتاع بالذات من السكر والتسرى وغير ذلك، وأن التاريخ يشهد بأن محمدا كان يراهم ولم يكن يشاركهم فى ذلك، لا لفقره وضيق ذات يده، بل لما صوره بقوله «لكن نفس محمد كانت شغوفا بأن ترى وأن تسمع وأن تعرف، وكأن حرمانه من التعليم الذى كان يعلمه أنداده جعله أشد للمعرفة شوقا، وبها تعلقا، كما أن النفس العظيمة التى تجلت فيه من بعد ذلك آثارها، وما زال يغمر العالم سلطانها، كانت فى توقها إلى الكمال ترغب عن هذا اللهو الذى يطمح إليه أهل مكة، إلى نور الحياة المتجلى من كل مظاهر الحياة لمن هداه الحق إليها لاستكناه ما تدل هذه المظاهر عليه، وما تحدث الموهوبون به، لعله يريد الملهمين.
هذا الخبر من مخترعات خيال درمنغام، فمحمد لم يكن شغوفا بأن يرى ما يفعله فساق قومه من فسق وفجور، ولا أن يسمع ذلك، ولا كان يتحرى أن يعرفه، وقد ثبت عنه أنه PageV01P069 لم يحضر سمرهم ولهوهم إلا مرتين ألقى الله عليه النوم فى كل منهما، حتى طلعت الشمس فلم ير ولم يسمع شيئا، وقد بطل بهذا ما علل به الخبر على ما فيه من المدح المتضمن لدسيستين: (إحداهما): أن أنداده من قريش كانوا متعلمين وكان هو محروما مما لقنهم آباؤهم من العلم، وكان حرمانه هذا يزيده شغفا بالبحث والاستطلاع. (والثانية): أن نفسه كانت بسبب هذا تزداد طموحا إلى نور الحياة المتجلى فى جميع مظاهرها لاستكناه ما تدل عليه المظاهر.
فهذه مدحة غرضه منها تعليل ما انبثق فى نفسه صلى الله عليه وسلم بعد ذلك من الوحى، وسترى بطلان تعليله.
المقدمة التاسعة: موت أبناء محمد وما أثاره فى نفسه
ثم ذكر درمنغام مسألة أبناء النبى صلى الله عليه وسلم القاسم، والطيب، والطاهر، وهو يشك فى وجودهم، ويقول إن تكنيته بأبى القاسم لا تدل على وجود ولد له بهذا
الاسم، وإنه إن صح أنهم ولدوا فقد ماتوا فى المهد، هذا زعم ووهم، والحق أنه ولد له غلام سماه القاسم وكنى به وأنه مات طفلا. وقيل عاش إلى أن ركب الدابة فهذا متواتر. ثم ولد له آخر سماه عبد الله، والصحيح أن الطيب والطاهر لقبان له لا اسمان لغلامين آخرين كما قيل «1»، ولكن درمنغام قد كبر مسألة موت هؤلاء الأولاد الذين يشك فى وجودهم تكبيرا، وبنى عليها حكما، وأثار وهما، قال بعد أن زعم أن محمدا تبنى زيد بن حارثة؛ لأنه لم يطق على الحرمان من البنين صبرا:
«فمن حق المؤرخ أن يجعل هذا الحادث؛ بل الحوادث الثلاثة التى أصابت محمدا فى بنيه ما هى جديرة بأن تتركه فى حياته وفى تفكيره من أثر، والأمر كذلك بنوع خاص إن كان محمدا أميا، فلم تكن المضاربات الجدلية (كذا) لتصرفه عن التأثر بعبر الحوادث ودروسها، وحوادث أليمة- كوفاة أبنائه- جديرة بأن تستوقف تفكيره، وأن تصرفه كل واحد منها إلى ما كانت خديجة تتقرب به إلى أصنام الكعبة، وتنحر لهبل واللات والعزى PageV01P070 ومناة الثالثة الأخرى، تريد أن تفتدى نفسها من ألم الثكل، فلا تفيد القربان ولا تجدى النحور».
قال: «والأمر كان كذلك، لا ريب أن كانت عبادة الأصنام قد بدأت تتزعزع فى النفوس تحت ضغط النصرانية الآتية من الشام منحدرة إليها من الروم، ومن اليمن متخطية إليها من خليج العرب (البحر الأحمر) من بلاد الحبشة».