هذا وإن ما بينه الأستاذ الإمام فى إثبات وقوع الوحى لا يستطيع أحد فهمه حق الفهم، وهو يؤمن بوجود الله العلى الحكيم الفاعل المختار إلا أن يقبله ويذعن له، فإنه بين أن الوحى والرسالة بالمعنى الذى قرره لازم عقلى لعلمه تعالى وحكمته وكونه هو (الذى أعطى كل شىء خلقه ثم هدى)، ولا يفهمه حق الفهم إلا من أوتى نصيبا من علم الاجتماع وحكمة الوجود وسننه وأصول العقائد، ونصيبا آخر من بلاغة اللغة العربية، وأن نبوة محمد صلى الله عليه وسلم ورسالته يمكن إثباتها بما دون هذه الفلسفة والبلاغة، وهو ما قهر عقول علماء الإفرنج على تصديق دعوته، وحمل الماديين على تصويرها بما نبسطه فيما يأتى ونقفى عليه بإثبات بطلانه.
تفصيل الشبهة ودحضها بالحجة
قد فصل (أميل درمنغام) الشبهة التى أجملها مونتيه بما لم نر مثله لغيره من كتاب الإفرنج، حتى اغتر بكلامه كثير من المسلمين، وأنه لحسن الثناء ولكنه يسر حسوا فى ارتغاء، فإن كان حكيمنا السيد/ جمال الدين قال لبعض مجادلى النصرانية: «إنكم فصلتم قميصا من رقاع العهد القديم وألبستموها للمسيح عليه السلام». فنحن نقول لهم: «إنكم فصلتم قميصا آخر مما استنبطتم من تاريخ الإسلام لا من نصوصه، وحاولتم خلعها على محمد صلى الله عليه وسلم». وإننى أشرح هذه الشبهة بأوضح مما كتبه درمنغام، وما بلغنى عن كل أحد منهم، ثم أكر عليها بالنقض والدحض، وأبدأ بمقدماتها وهى عشر: PageV01P064
المقدمة الأولى: لشبهة الوحى النفسى دعوى الأخذ عن بحيرا الراهب
قالوا: إن محمدا لقى بحيرا الراهب فى مدينة بصرى بالشام، وقالوا: إنه كان نسطوريا من أتباع آريوس فى التوحيد، وينكر ألوهية المسيح وعقيدة التثليث، وأن محمد لا بد أن يكون على علم من عقيدته، وقالوا فى بحيرا أيضا: إنه كان عالما فلكيا منجما، وحاسبا ساحرا. وإنه كان يعتقد أن الله ظهر له وأنبأه بأن سيكون هاديا لآل إسماعيل إلى الدين المسيحى، بل سمعنا من بعض الرهبان أنه كان معلما لمحمد ومصاحبا له بعد رسالته، وأن محمدا ما حرم الخمر إلا لأنه قتل أستاذه بحيرا وهو
سكران. وأسرفوا فى هذه الافتراء والبهتان، وكل ما عرفه المسلمون من رواة السيرة النبوية أن النبى صلى الله عليه وسلم لما خرج مع عمه أبى طالب إلى الشام وهو ابن تسع سنين وقيل 12 سنة رآه هذا الراهب مع قريش ورأى سحابة تظلله من الشمس، وذكر لعمه أنه سيكون له شأن، وحذره من اليهود وفى المسألة روايات بمعناها ضعيفة الأسانيد، إلا رواية للترمذى ليس فيها اسم بحيرا وفيها غلط فى المتن وليس فى شىء من تلك الروايات أنه صلى الله عليه وسلم سمع من بحيرا شيئا من عقيدته أو دينه.