وإذا كان أعظمها هو إحياء الميت يحتمل ما ذكروا من التأويل، فما القول فى شفاء المرضى وإخراج الشياطين الذى يكثر وقوع مثله فى كل زمان، والأطباء كلهم يقولون إن ما يدعيه العوام من دخول الشياطين فى أجساد الناس ما هو إلا أمراض عصبية تشفى بالمعالجة أو بالوهم والاعتقاد، ودونها مسألة الخمر والسمك ويبس التينة «1». PageV01P051
............. ................ ........ PageV01P052
آية نبوة محمد العقلية العلمية وسائر آياته الكونية
إن ما رواه المحدثون بالأسانيد المتصلة تارة، والمرسلة «1» أخرى من الآيات الكونية التى أكرم الله تعالى بها رسوله محمدا صلى الله عليه وسلم وهى أكثر من كل ما رواه الإنجيليون وأبعد عن التأويل، ولم يجعلها برهانا على صحة الدين، ولا أمر بتلقينها للناس.
ذلك بأن الله تعالى جعل نبوة محمد ورسالته قائمة على قواعد العلم والعقل فى ثبوتها وفى موضوعها؛ لأن البشر قد بدءوا يدخلون بها فى سن الرشد والاستقلال النوعى الذى لا يخضع عقل صاحبه فيه لا تباع من تصدر عنهم أمور عجيبة مخالفة للنظام المألوف فى سنن الكون، بل لا يكمل ارتقاؤهم واستعدادهم العقلى مع هذا الخضوع، بل هو من موانعه، فجعل حجة نبوة خاتم النبيين عين موضوع نبوته، وهو كتابه المعجز للبشر بهدايته وبعلومه، وبإعجازه اللفظى والمعنوى، وبأنباء الغيب الماضية والحاضرة والآتية فيه «2»؛ ليربى البشر على الترقى فى هذا الاستقلال، إلى ما هم مستعدون له من الكمال.
هذا الفصل بين النبوات الخاصة الماضية، والنبوة العامة الباقية، قد عبر عنه النبى صلى الله عليه وسلم بقوله: «ما من الأنبياء من نبى إلا وقد أعطى من الآيات ما مثله آمن عليه البشر، وإنما كان الذى أوتيته وحيا أوحاه الله إلى، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعا يوم القيامة». متفق عليه من حديث أبى هريرة- رضى الله عنه.
وقص الله تعالى علينا فى كتابه: أن المشركين اقترحوا الآيات الكونية (العجائب) على رسوله، فاحتج عليهم بالقرآن فى جملته، وبما فيه من أخبار الرسل والكتب السابقة التى لم يكن يعلمها هو ولا قومه، وبهدايته وبعلومه وبإعجازه، وعدم استطاعة أحد ولا جماعة ولا العالم كله على الإتيان بمثله: قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا [سورة الإسراء: 88]، وسيأتى تفصيله. PageV01P053
وأما ما أكرمه الله تعالى به من الآيات الكونية فلم يكن لإقامة الحجة على نبوته ورسالته، بل كان من رحمة الله تعالى وعنايته به وبأصحابه فى الشدائد، كنصرهم على المعتدين من الكفار الذين يفوقونهم عددا وعتادا واستعدادا بالسلاح والطعام، وناهيك بغزوة بدر والنصر فيها، ثم بغزوة الأحزاب إذ تألب المشركون واليهود على المسلمين وأحاطوا بمدينتهم فردهم الله بغيظهم لم ينالوا خيرا وكفى الله المؤمنين شر القتال.
من تلك الآيات: شفاء المرضى، وإبصار الأعمى، وإشباع العدد الكثير من الطعام القليل فى غزوة الأحزاب وفى غزوة تبوك، كما وقع للمسيح عليه السلام.
ومنها: تسخير الله السحاب لإسقاء المسلمين؛ وتثبيت أقدامهم التى كانت تسيح فى الرمل ببدر، ولم يصب المشركين من غيثها شىء. ومثل ذلك فى غزوة تبوك إذ نفذ ماء الجيش فى الصحراء والحر شديد حتى كانوا يذبحون البعير ويخرجون الفرق من كرشه ليعتصروه ويبلوا به ألسنتهم على قلة الرواحل معهم، وكان يقل من يجد من عصارته ما يشربه شربا، فقال أبو بكر: يا رسول الله إن الله عودك فى الدعاء خيرا فادع لنا، فرفع يديه فدعا، فلم يرجعهما حتى كانت السماء قد سكبت لهم ما ملئوا ما معهم من الروايا، ولم تتجاوز عسكرهم «1».