وفى هذا الفهم غلط من وجوه كثيرة «منها» أن مثل هذه المسألة إذا لم تكن من المصالح العامة التى تناط أولى الأمر فليس فى الأمم مصالح عامة قط. «ومنها» أنه يعارض
نصا فى القرآن بواقعة حال عملية، «ومنها» أن النبى صلى الله عليه وسلم جمع فى تلك الحال بين حكمة الدين ورحمته العامة، وبين تربية المسلمين التى اقتضاها الزمان والمكان، والقوة والضعف فى الإيمان، وحال طلقاء مكة والمؤلفة قلوبهم فى إظهار الإسلام، فوعد وفد هوازن بإحدى الطائفتين- الغنائم أو السبى- مع علمه بأنهم يختارون السبى. ثم إنه أعطى المؤلفة قلوبهم من الغنائم أكثر من غيرهم، ولم يعط الأنصار شيئا وقد فصلنا ذلك فى تفسير الآيتين (25، 26) من سورة التوبة «1».
وإنما تكون مصلحة الاسترقاق أرجح من هاتين المصلحتين- أى المن على الأسرى والفداء بهم فى حالات قليلة لا تدوم كأن يكون المحاربون للمسلمين قوما قليلى العدد كبعض قبائل البدو يقتل رجالهم كلهم أو جلهم. فإذا ترك النساء والأطفال والضعفاء من الرجال لأنفسهم لا يكون لهم قدرة على الاستقلال فى حياتهم فيكون الخير لهم أن يكفلهم الغالبون ويقوموا بشئونهم المعاشية، ثم تجرى عليهم أحكام الطريقة الثانية فى تحريرهم وقد يتسترون بالنساء فيكن أمهات أولاد وربات بيوت فحرائر، أو محصنات من الفواحش مكفيات أمر المعيشة على الأقل، وكذلك الأطفال يكفلهم المسلمون ويربونهم على عقائد الإسلام وفضائله، ثم ينالهم العتق فى الغالب لما سيأتى فى وجوهه، فيكونون كسائر أحرار المسلمين علماء وأغنياء وحكاما وأمراء. وقد أفضى هذا إلى تغلب العتقى (الموالى) من الأعاجم على السيادة والسلطان فى الأمة، بعد إهمال هداية الدين فى دولها.
وقد سن النبى صلى الله عليه وسلم لأمته ترجيح المن على الأسارى والسبايا بالعتق قولا وعملا فى غزوة بنى المصطلق، وغزوة فتح مكة، وغزوة حنين كما هو مفصل فى كتب السيرة النبوية PageV01P243 وغيرها، لأن المسلمين قد أثخنوهم وظهروا عليهم، ولم يكونوا أسروا من المسلمين أحدا فعلم من ذلك أن روح الشريعة الإسلامية ترجيح الفضل والإحسان عند القدرة، ومنه عتق الأسرى والسبايا والمن عليهم بالحرية بلا مقابل حاضر، ولا خوف مستقبل، بل لمحض الإحسان.
ولا تنس أن أكثر المشركين الذين كانوا يقاتلون النبى صلى الله عليه وسلم من الإعراب (البدو) وكانت حالة الحرب معهم مستمرة- كما تقدم- فلم يكن من المصلحة إرجاع سبيهم إليهم يشقى بشقائهم وشركهم وظلمهم وقساوتهم، من قتل للأولاد ووأد للبنات، وتأمل فعله صلى الله عليه وسلم مع بنى النضير من اليهود إذا استأذنه أصحابه بأخذ أولادهم الذين تهودوا معهم فأمرهم بتخييرهم. PageV01P244