فهذا برهان حسى مشاهد على أن إبطال الرق- الذى كان عاما فى البشر- بتشريع دينى يتعبد الله تعالى به من أول يوم لم يكن من الحكمة ولا من مصلحة البشر الممكن تنفيذها، والإسلام تشريع عملى لا هوادة فيه، فما شرعه فى الرقيق كان أعلى مراتب الحكمة، الجامع بين المصلحة العامة والرحمة، كما تراه مفصلا فيما يلى فنجزم بأنه هداية ربانية، لا فلسفة محمدية، وإنما كان محمد صلى الله عليه وسلم أحكم وأرحم مبلغ ومنفذ لوحى الله بها، وقد أعتق كثيرا من الرجال والنساء قبل البعثة وبعدها من ماله ومال زوجته خديجة أم المؤمنين رضى الله عنها، وكان بعض من يملكهم يفضلون الرق عنده على العتق على الحرية عند أهلهم، وكذلك فعل صاحبه الأول وصديقه الأكبر أبو بكر الصديق رضى الله عنه الذى أنفق أكثر ماله فى تحرير الرقاب. PageV01P241
هداية الإسلام فى تحرير الرقيق وأحكامه
قد شرع الله تعالى لإبطال الرق طريقتين: تحديد تجديد الاسترقاق فى المستقبل أو تقييده، وتحرير الرقيق القديم بالتدريج، الذى لا ضرر ولا ضرار فيه.
الطريقة الأولى منع الإسلام جميع ما كان عليه الناس من
استرقاق الأقوياء للضعفاء بكل وسيلة من وسائل البغى والعدوان،
وقيده باسترقاق الأسرى والسبايا فى الحرب التى اشترط فيها ما تقدم بيانه من دفع المفاسد وتقرير المصالح، ومنع الاعتداء ومراعاة العدل والرحمة وهى شروط لم تكن قبله مشروعة عند المليين، ولا عند أهل الحضارة فضلا عن المشركين الذين لا شرع لهم ولا قانون، ولست أعنى بالاستثناء أن الله شرع لنا من هذا النوع من الاسترقاق كل ما كانت الأمم تفعله معاملة لهم بالمثل، بل شرع لأولى الأمر من المسلمين مراعاة المصلحة للبشر فى إمضائه أو إبطاله بأن خيرهم فى أسرى الحرب الشرعية بين أمرين:
(أولهما) المن عليهم بالحرية فضلا وإحسانا ورحمة.
(ثانيهما) الفداء بهم وهو نوعان: فداء المال، وفداء الأنفس إذا كان لنا أسارى أو سبى عند قومهم بنص الآية «1» من سورة محمد التى أوردناها فى القاعدة الخامسة من قواعد الحرب، ولما كنا مخيرين فيهم بين إطلاقهم بغير مقابل والفداء بهم جاز أن يعد هذا أصلا شرعيا لإبطال استئناف الاسترقاق فى الإسلام، فإن ظاهر التخيير بين هذين الأمرين أن الأمر الثالث الذى هو الاسترقاق غير جائز لو لم يعارضه أنه هو الأصل المتبع عند جميع الأمم وأقره الإسلام لأنه أمر عالمى دولى يقع به التعامل بين الأعداء فى الحرب، فمن أكبر المفاسد والضرر أن يسترقوا أسرانا ونطلق أسراهم ونحن أرحم بهم وأعدل كما يعلم مما يأتى، ولكن الآية ليست نصا فى الحصر، ولا صريحة فى النهى عن الأصل، فكانت دلالتها على تحريم الاسترقاق مطلقا غير قطعية. فبقى حكمه محل اجتهاد أولى الأمر إذا وجدوا المصلحة فى إبقائه أبقوه، وإذا وجدوا المصلحة فى ترجيح المن عليهم بالحرية- وهو إبطال اختيارى له- أو الفداء بهم عملوا به. PageV01P242
ورأيت بعض المشتغلين بالفقه يقولون: إن الاسترقاق والسبى من حقوق المحاربين الخاصة لا من حقوق أولى الأمر العامة، فليس للإمام الأعظم ولا للقائد العام فى الحرب المفوض من قبله مع أركان حربه أن يجبروا المقاتلين على المن عليهم، ولا على الفداء بهم لاقتضاء المصلحة العامة لأحد الأمرين، بدليل أن النبى صلى الله عليه وسلم لم يجبر المسلمين على التخلى عن سبى هوازن إجبارا، بل جعله بتطييب أنفسهم له، ووعد من لا تطيب نفسه بترك حصته بالتعويض عليه.