القاعدة الأولى: فى الحرب المفروضة على الأعيان
ورد الأمر بقتال المعتدين لكف عدوانهم ولما سيأتى من درء المفاسد وتوطيد المصالح مقترنا بالنهى عن قتال الاعتداء والبغى والظلم، والشاهد عليه قوله تعالى: وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين [البقرة: 190]، وتعليل النهى عن قتال الاعتداء بأن الله تعالى لا يحب المعتدين مطلقا دليل على أن هذا النهى محكم غير قابل للنسخ. ومن ثم بينا فى تفسير هذه الآية من جزء التفسير الثانى أن حروب النبى صلى الله عليه وسلم للكفار كانت كلها دفاعا ليس فيها شىء من العدوان، ثم فصلت فى تفسير آية السيف من سورة التوبة: أن قتال مشركى العرب ونبذ عهودهم بعد فتح مكة كان جاريا على هذه القاعدة. مع كون سياسة الإسلام فى العرب غير سياسته فى سائر الأقوام، من حيث إرادة إسلامهم باختيارهم، وإبطال ما كانوا عليه من الشرك غير المقيد بشرع متبع، وإرادة جعل PageV01P226 جزيرتهم معقلا للإسلام وحده على اتساع سياسته مع غيرهم بإقرارهم على أوطانهم وأديانهم.
وبينت فيه أن بعض الصحابة كان قد ثقل عليهم نبذ عهود المشركين المقتضى لقتالهم مع سبقهم لنقض العهد مع النبى صلى الله عليه وسلم حتى بين الله لهم ذلك بأنهم إنما نقضوا عهده ونكثوا أيمانهم؛ لأنهم لا عهود لهم يلتزمونها بعقيدة وجدانية، ولا نظام متبع، وقال الله تعالى:
ألا تقاتلون قوما نكثوا أيمانهم وهموا بإخراج الرسول وهم بدؤكم أول مرة [التوبة: 13] أى بالقتال ثم بنقض العهد فهم المعتدون «1».
وإنما اشتبه على الغافلين الأمر بما كان فى بعض الغزوات والسرايا من بدء المسلمين بها ذاهلين عن حالة الحرب بينهم وبين المشركين باعتداء المشركين الأول واستمراره، فالدفاع لا يشترط أن يكون فى كل معركة وكل حركة.
وهذا الذى كان فى آخر أحكام القتال معهم يؤيد ما نزل فى أول الإذن للمسلمين بالقتال وهو قوله تعالى فى [سورة الحج، الآيتان: 39، 40]: أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وإن الله على نصرهم لقدير (39) الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله، وتتمة الآيات فى القاعدة الثانية.
ولما نقضوا العقد الذى عقده النبى صلى الله عليه وسلم معهم فى الحديبية فى أواخر سنة ست للهجرة وعزم على فتح مكة سنة ثمان نزلت سورة الممتحنة (60) فى النهى عن ولاية المشركين، وفيها التصريح بأن النهى خاص بالذين قاتلوا المؤمنين وأخرجوهم من وطنهم لأجل دينهم، فهو نهى عن موالاتهم ومودتهم دون البر والعدل إلى كل مشرك. فتأمل الآيات 7، 8، 9 منها.