الخامسة
منع الغلو فى الدين وإبطال جعله تعذيبا للنفس بإباحة الطيبات والزينة بدون إسراف ولا كبرياء وقد فصلنا ذلك فى تفسير الآيات الواردة فى الأمر بالأكل من الطيبات فى سورة البقرة، وسورة المائدة، وتفسير قوله تعالى: يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد وكلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين (31) قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة كذلك نفصل الآيات لقوم يعلمون [الأعراف: 31، 32].
وقال الله تعالى: يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم [النساء: 171]، وفى هذا النهى اعتبار للمسلمين لأنهم أولى بالانتهاء عن الغلو بأن دينهم دين الرحمة واليسر، والأحاديث الصحيحة فى نهى المسلمين عن الغلو فى العبادة وعن ترك الطيبات، وعن الرهبانية والخصاء، مبينة لهذه الآيات وهى مصداق تسمية النبى صلى الله عليه وسلم لملته بالحنيفية السمحة.
السادسة
قلة تكاليفه وسهولة فهمها، وقد كان الأعرابى يجيء النبى صلى الله عليه وسلم من البادية فيسلم فيعلمه ما أوجب الله وما حرم عليه فى مجلس واحد فيعاهده على العمل به فيقول صلى الله عليه وسلم: «أفلح الأعرابى إن صدق»، وكان هذا أعظم أسباب قبول الناس له، ولكن الفقهاء أكثروا بآرائهم الاجتهادية حتى صار العلم بها متعسرا، والعمل بها كلها متعذرا، ولا يعترض على هذه PageV01P195 المزية بالصلوات الخمس فى كل يوم وليلة؛ فإن أقل ما تجزئ به كل صلاة منها يمكن أن يؤدى فى خمس دقائق، ومنها صلاة وقتها عقب القيام من النوم فى الصباح، وصلاة قبل النوم فى الليل، فهل يشق على المرء أن يؤدى فى سائر يومه ثلاث صلوات متفرقة فى ربع ساعة منه؟
فإن قيل: إنه يشترط فيه الطهارة. قلنا: إن طهارة البدن والثياب مطلوبة شرعا وطبا فى كل وقت، فهى تكون قبل الصلاة فلا تضيع على المسلم وقتا ولا عملا فى أثناء النهار إلا نادرا، وكذلك الغسل الواجب قلما يجب إلا فى الليل أو الصباح، وأما الوضوء فلا يشق منه فى أثناء العمل إلا غسل الرجلين على الذين يلبسون الجوارب والأحذية العصرية، ومن لبسها على طهارة يجوز له المسح عليها بدلا من الغسل، وأما فوائد هذه الصلاة وهذه الطهارة فى النفس والبدن، فهى لا تقدر بثمن، فالصلاة تطهير للنفس وتزكية لها بمناجاة المؤمن لربه فتصده عن الفحشاء والمنكر «1».