5 - الإسلام دين القلب والوجدان والضمير:
قال الفيومى فى المصباح: ضمير الإنسان قلبه وباطنه والجمع ضمائر، وقال: والقلب من الفؤاد معروف- يعنى أنه ضميره ووجدانه الباطل (قال): ويطلق على العقل أ. ه وقد شرحنا معناه هذا وطرق استعماله فى تفسير آية الأعراف «1»، وقد ذكر القلب فى القرآن الكريم فى مائة آية وبضع عشرة آية.
منها قوله تعالى فى سورة [ق، الآية: 37]: إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد، وقوله فى سورة ا [لشعراء، الآية: 88، 89]: يوم لا ينفع مال ولا بنون (88) إلا من أتى الله بقلب سليم، ومنها مدحه لخليله إبراهيم عليه السلام بقوله: إذ جاء ربه بقلب سليم، قوله حكاية عنه: ولكن ليطمئن قلبي [البقرة: 260]، وقوله فى صفة المؤمنين: الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله ألا بذكر الله تطمئن القلوب [الرعد: 28]، وقوله فى صفات الذين اتبعوا عيسى عليه السلام: وجعلنا في قلوب الذين اتبعوه رأفة ورحمة ورهبانية ابتدعوها «2» إلخ.
ووصف قلوب المؤمنين بالخشوع والإخبات لله وتمحيصها من الشوائب، وقلوب الكفار والمنافقين بالرجس والمرض والقسوة والزيغ، وعبر عن فقدها للاستعداد للحق والخير بالطبع والختم والرين عليها، أى أنها كالمختوم المطبوع عليه فلا يدخله شىء جديد، أو كالمعدن أحاط به وغلب عليه الرين وهو الصدأ أو الدنس فلا تقبل الصقل والجلاء.
وإذا كان الإسلام دين العقل والبرهان وحرية الضمير والوجدان، فقد أبطل ما كان عليه النصارى وغيرهم من الإكراه فى الدين والإجبار عليه، والفتنة والاضطهاد لمخالفيهم فيه، والآيات فى ذلك كثيرة بيناها فى محلها، ومن دلائلها ذم القرآن للتقليد وتضليل أهله. PageV01P182
6 - منع التقليد والجمود على اتباع الآباء والجدود:
كل ما نزل من الآيات فى مدح العلم وفضله واليقين فيه واستقلال العقل والفكر وحرية الوجدان، والمطالبة بالبرهان، وذم اتباع الظن والحرص فيما يطلب فيه الإيمان والعلم- يدل على ذم التقليد، وقد ورد فى ذمه النعى على أهله آيات كثيرة كقوله تعالى: وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا أولو كان آباؤهم لا يعقلون شيئا ولا يهتدون [البقرة: 170]، وقوله تعالى: وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول قالوا حسبنا ما وجدنا عليه آباءنا أولو كان آباؤهم لا
يعلمون شيئا ولا يهتدون
[المائدة: 104]، ذمهم من ناحيتين؛ (إحداهما): الجمود على ما كان عليه آباؤهم والاكتفاء به عن الترقى فى العلم والعمل، وليس هذا من شأن الإنسان الحى العاقل فإن الحياة تقتضى النمو والتوليد، والعقل يطلب المزيد والتجديد.
(والثانية): أنهم باتباعهم لآبائهم قد فقدوا مزية البشر فى التمييز بين الحق والباطل، والخير والشر، والحسن والقبيح، بطريق العقل والعلم وطريق الاهتداء فى العمل، ويؤيده قوله تعالى: وإذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليها آباءنا والله أمرنا بها قل إن الله لا يأمر بالفحشاء أتقولون على الله ما لا تعلمون [الأعراف: 28]، وقال الله تعالى فى عبادة العرب للملائكة: وقالوا لو شاء الرحمن ما عبدناهم ما لهم بذلك من علم إن هم إلا يخرصون (20) أم آتيناهم كتابا من قبله فهم به مستمسكون (21) بل قالوا إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مهتدون (22) وكذلك ما أرسلنا من قبلك في قرية من نذير إلا قال مترفوها إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون [الزخرف: 20 - 23]، وتراجع الشواهد على هذا فى قصة إبراهيم مع قومه فى سورة الأنبياء والشعراء والصافات.