مقدمة المؤلف
الحمد لله الذي بعث في الأميين رسولا منهم، يتلو عليهم آياته؛ ويزكيهم؛ ويعلمهم الكتاب والحكمة؛ ويهداهم إلى المحجة؛ ويبصرهم مواطن الحجة؛ أرسله على حين فترة من الرسل؛ وحاجة من البشر؛ فأهاب بالعقول من سباتها وأخذ بالنفوس عن غيها؛ وعرض على الأنظار خيالة- سينما- تمثلت فيها آي الكون الصامتة؛ وشنف الآذان باي الله الناطقة؛ وأثلج الصدور بحكمه البالغة؛ وأفاض على القلوب من عظاته المؤثرة؛ فكان مصدر خير ومبعث نور؛ وشمس هداية؛ أضاءت للعالم سبل المصالح؛ وهدتهم خطط العمل الناجح؛ فكانوا بإرشاده أمة؛ وبنوا من آدابه دولة؛ كان لها شأن في العصور السالفة؛ كما نرجو لها في الأيام القابلة؛ فصلوات الله وسلامه عليه؛ ورحمته وبركاته إليه؛ وعلى آله الطيبين وصحبه المخلصين ومن قفا أثرهم؛ واختط سبيلهم.
وبعد: فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم أدبه العليم الحكيم، بما أنزل عليه من آي الكتاب المبين؛ فكان تكوينه خير تكوين، وتثقيفه أول تثقيف؛ فصدرت منه آيات بينات؛ وحكم خالدات؛ وعبارات في الأدب غاية؛ وفي البدع نهاية؛ كان لها شأو بعيد؛ وأثر حميد؛ في تربية النفوس وإصلاحها؛ وتقويم الأخلاق وتهذيبها؛ وقد تولى الفضلاء السابقون كلمه صلى الله عليه وسلم بالشرح والبيان؛ والاستنباط والاستنتاج؛ ولكن أدخلوا في طي ذلك ضروبا من الإعراب، وشتيتا من الروايات؛ وخليطا من الاستطراد؛ وكانوا يكتبون بلغة عصرهم، وروح وقتهم؛ ويمثلون من مشهودهم؛ فكان في ذلك إملال على القارىء؛ وإبعاد عن عصره الحاضر؛ خصوصا إذا لم يضرب في النحو بسهم غائر؛ ولم يكن له من فن الرواية حظ وافر؛ فأردت- ألهمني الله وإياك سبيل السداد- PageV01P007 # إلى مئات من الأحاديث المنتقاة المتخيرة؛ التي تمت إلى العصر الحاضر بكبير الصلة فجمعتها جمعا؛ صحيحة غير معتلة؛ وقيمة غير معوجة؛ وتوليتها بالشرح والبيان شرحا يجاري الحياة؛ ويفصل شئونها؛ ويجلي غوامضها؛ ويحكم في أمورها؛ ويضرب في صميمها؛ شرحا يلمحه الأديب فيروقه رصفه؛ ويقرأه المربي فيسايره نهجه؛ وينظره القارىء الساذج فيسهل عليه فهمه؛ وتروى منه نفسه؛ شرحا فيه لكل مدرس غنية؛ ولكل طالب بغية؛ ولكل راغب في الدين أو الخلق منية؛ وقد ضمنته جميع الأحاديث المقررة بالمدارس المصرية على اختلاف درجاتها كما ترى ذلك في الجدول الملحق بالفهرس، وأضفت إليها أضعافها مما يملأ نفس الراغب، ويسد جوعة الناهم وقد جعلته قسمين؛ أسهبت في شرح أولهما وأوجزت في آخرهما: إذ كان البيان السابق، داعية الإيجاز في اللاحق، والله يهديناا إلى سواء السبيل، ويوفقنا لخدمة هذا الدين، هو مولانا فنعم المولى ونعم النصير.
محمد عبد العزيز الخولي PageV01P008 # 1- باب: أثر النيات في الأعمال
عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:
«إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرىء ما نوى، فمن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو إلى امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه» . [رواه البخاري ومسلم وغيرهما] ، وفي رواية زيادة: «فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله» ، ثم عقبها بالجملة الأخيرة «1» .
اللغة:
الأعمال: الشاملة لأعمال اللسان المسماة بالأقوال، ولأعمال الأعضاء الآخرى من رأس ويد ورجل وغيرهما. والنيات: جمع نية، وهي: القصد، وبعبارة أوسع هي: انبعاث القلب نحو ما يراه موافقا لغرض من جلب نفع أو دفع ضر.