بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي وفقنا لسلوك صراطه المستقيم، وجنبنا بفضله ورحمته طريق أصحاب الجحيم، ومن علينا بمتابعة نبيه الكريم، فضلا من الله ونعمة والله ذو الفضل العظيم، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له العزيز الحكيم، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله وخيرته من خلقه وأمينه على وحيه أفضل الصلاة وأتم التسليم، وعلى آله وأصحابه الذين هم نجوم الهداية والدراية والتعليم.
أما بعد: فإني وقفت على أوراق كتبها رجل من أهل الشام يقال له: " محمد عطا الكسم"1، وكان ممن تجانف للعدوان والإثم، جمع فيها من الترهات والأكاذيب الموضوعات ما يمج سماعه أولو العقول السليمة، والألباب الزاكية المستقيمة، وسماها
"الأقوال المرضية في الرد على الوهابية"، ورتبها على مقدمة وثلاثة أبواب وخاتمة، وقد اشتملت مقدمته الكاذبة الخاطئة على ألفاظ مبتدعة، ومعان وإشارات مخترعة، وأقوال مختلفة مفترعة، ليست من أقوال أهل الإسلام، ولم يقل بها أحد من الأئمة PageV01P005
الأعلام، وإنما هي أوضاع الفلاسفة ومن وافقهم من أهل الكلام، وأهل الاتحاد الطغاة اللئام، ومن وافقهم على أصولهم ممن يزعم أن معاني هذه الألفاظ حصلت له بطريق المشاهدة والمكاشفة التي هي عند التحقيق مكاشفة، وأن ذلك من الفتوحات الربانية والمواهب اللدنية، وفي الحقيقة إنما هي خيالات شيطانية، واصطلاحات وأوضاع فلسفية، وخلف من بعدهم خلف على طريقتهم عبروا عن هذه المعاني الفلسفية بعبارات إسلامية، يخاطبون بها من لا يعرف معاني هذه الأوضاع، ويجعلون مراد الله ورسوله من الآيات والأحاديث على ما أرادوا من معاني هذه الأوضاع التي تخالف كتاب الله وسنة رسوله وأقوال سلف الأمة وأئمتها، كما يذكر أبو حامد الغزالي في مواضع من الفرق بين عالم الملك والملكوت والجبروت، وفي مواضع أخر قال فيها: إن أشرف أفعال الله وأعجبها وأدلها على جلالة صانعها ما لا يظهر للحس بل هو من عالم الملكوت، وهي الملائكة الروحانية والروح والقلب، أعني العارف بالله تعالى من جملة أجزاء الآدمي فإنها أيضا من جملة عالم الغيب والملكوت وخارج عن عالم الملك والشهادة.
قال شيخ الإسلام: ومعلوم أن ما جاء في الكتاب والسنة من لفظ الملكوت، كقوله: {بيده ملكوت كل شيء} [المؤمنون: 88] ، وقوله صلى الله عليه وسلم في ركوعه: " سبحان ذي الجبروت والملكوت والكبرياء والعظمة" 1، لم يرد به هذا باتفاق المسلمين، ولا دل كلام أحد من PageV01P006
السلف والأئمة على التقسيم الذي يذكرونه بهذه الألفاظ، وهم يعبرون بهذه العبارات المعروفة عند المسلمين عن تلك المعاني التي تلقوها عن الفلاسفة وضعا وضعوه، ثم يريدون أن ينزلوا كلام الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم على ما وضعوه من اللغة والاصطلاح. انتهى.
وهذه المعاني التي ذكرها الفلاسفة يفسرون عالم الملك بعالم الأجسام، وعالم الملكوت بعالم النفوس، لأنها باطن الأجسام، وعالم الجبروت بالعقول، لأنها غير متصلة بالأجسام ولا متعلقة بها، ومنهم من يعكس، وقد يجعلون الإسلام والإيمان والإحسان مطابقا لهذه الأمور.
والمقصود بهذا أن ما ذكره هذا الملحد فيما يأتي من كلام القسطلاني وما بعده هو من هذا النمط المأخوذ عن الفلاسفة ومن وافقهم، فلما لم يكن هذا من كلام أهل الإسلام ولم يذكره أحد من أئمة الأعلام، وشبه به هؤلاء الغلاة على الطغام من العوام، ومن لا معرفة له بمدارك الأحكام ومعاني الكلام استعنت الله تعالى على التنبيه على بعض ما في هذه PageV01P007