فصل في فرية الملحد عليهم بنفي الإجماع
...
فصل
قال العراقي: (الوهابية ونفيها الإجماع: حيث كان ما انطوت عليه العقيدة الوهابية مباينا لم أجمع عليه الصحابة الكرام، والمجتهدون العظام، وكافة علماء الإسلام، لم ير أصحاب تلك العقيدة بدا من إنكار الإجماع، ونفي كونه حجة يعمل بها، فهم قد كفروا كل مسلم عداهم، ممن قال: لا إله إلا الله، محمد رسول الله، بسبب زياراته لقبور الأنبياء والأولياء، والتوسل بهم إلى الله) .
والجواب أن نقول: نسبة نفي الإجماع إلى الوهابية كذب وبهتان، بل هو1 توصل منه إلى القدح فيهم بغير حجة ولا برهان، وإلا فالوهابية يعلمون أن الإجماع حجة، ويعتقدون أن الأمة لا تجتمع2 على ضلالة، وهو الأصل الثالث عندهم. PageV01P346
وعقيدة الوهابية لا تخالف ما أجمع عليه الصحابة الكرام، والأئمة المجتهدون العظام، وكافة علماء الإسلام، ومن تدبر أقوالهم، ومصنفاتهم، علم علما يقينا أنهم كانوا على ما كان عليه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في المعتقد، وسائر أحكام الإسلام، وأن هذا الملحد الضال ومن نحا نحوه، وعلى1 طريقته، هم المخالفون لما أجمع عليه الصحابة، ومن تبعهم بإحسان، ومخالفون لعقيدة2 السلف الصالح، والصدر الأول، وما كان عليه الأئمة الأربعة المقلدون، والأئمة المجتهدون من أهل السنة المحضة، ومن تمسك بهديهم، وعلى طريقتهم. يعرف ذلك من كلامه وضلالاته التي ذكرناها عنه فيما يأتي بعد.
وقوله: (فهم قد كفروا كل مسلم عداهم، ممن قال: لا إله إلا الله، محمد رسول الله، بسبب زيارتهم لقبور الأنبياء والأولياء والتوسل بهم إلى الله، مع أن الأمة قد أجمعت على أن من نطق بالشهادتين أجريت عليه أحكام الإسلام ... ) إلى آخره. PageV01P347
فأقول: هذا كذب على الوهابية، فإنهم ما كفروا كل مسلم عداهم، ولا كفروا بمجرد الزيارة لقبور الأنبياء والأولياء، وإنما كفروا من أشرك بالله في عبادته غيره، حيث نطق القرآن بتكفيره، وجاءت الأخبار الصحيحة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بتكفير من فعل ذلك، سواء زار القبور أو لم يزر.
وأما دعواه: إجماع الأمة على أن من نطق بالشهادتين أجريت عليه أحكام الإسلام. فهذه دعوى كاذبه خاطئة، فإن الصحابة رضي الله عنهم أجمعوا على قتال من منع الزكاة، وسموهم أهل الردة، وقاتلوا بني حنيفة، وهم يشهدون أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، لكن لما أشركوا مسيلمة الكذاب في النبوة، وصدقوه أنه قد أشرك في النبوة مع النبي صلى الله عليه وسلم: كفروهم.
فإذا كان من أشرك مسيلمة الكذاب1 في النبوة يكون كافرا، فكيف لا يكفر من أشرك مخلوقا في عبادة الخالق سبحانه، وجعله ندا لله، يستغيث به كما يستغيث بالله، ويدعوه مع الله، ويرجوه، ويلجأ إليه في جميع مهماته، ويذبح له، وينذر له مع الله؟! PageV01P348
فقد كفر الصحابة هؤلاء1، وهم يشهدون أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله [وكفر الله تعالى ورسوله المنافقين، وهم يشهدون أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله] 2، كما قال تعالى: {يحلفون بالله ما قالوا ولقد قالوا كلمة الكفر وكفروا بعد إسلامهم} [التوبة: 74] . وقال تعالى: {لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم} [التوبة: 66] .
وكذلك لا خلاف بين العلماء كلهم أن الإنسان إذا صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم في شيء وكذبه في شيء لم يدخل في الإسلام، وكذلك إذا آمن ببعض القرآن وجحد بعضه، كمن أقر بالتوحيد وجحد وجوب الصلاة، أو أقر بالصلاة وجحد الزكاة، أو أقر بهذا كله وجحد الصوم، أو أقر بهذا كله وجحد الصوم، أو أقر بهذا كله وجحد الحج، ولما لم ينقد أناس في زمن النبي صلى الله عليه وسلم للحج3 أنزل الله في حقهم: {ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا ومن كفر فإن الله غني عن العالمين} [آل عمران: 97] ، ومن أقر بهذا كله وجحد البعث كفر بالإجماع، وحل دمه وماله، كما قال تعالى: {إن الذين يكفرون بالله ورسله ويريدون أن يفرقوا بين الله ورسله PageV01P349