والمقصود أن الأجسام المحدثة المخلوقة ليست مركبة لا من المادة والصورة، ولا من الجواهر المنفردة، فلو كان فوق العرش جسم مخلوق ومحدث لم يلزم أن
يكون مركبا بهذا الاعتبار، فكيف ذلك في حق خالق الفرد والمركب الذي يجمع المتفرق، ويفرق المجتمع، ويؤلف بين الأشياء فيركبها كما يشاء؟
والعقل إنما دل على إثبات إله واحد، ورب واحد لا شريك له، ولا شبيه له، لم يلد ولم يولد، ولم يدل على أن ذلك الرب الواحد لا اسم له، ولا صفة ولا وجه، ولا يدين، ولا هو فوق خلقه، ولا يصعد إليه شيء، ولا ينزل منه شيء، فدعوى ذلك على العقل كذب صريح عليه، كما هي كذب صريح على الوحي.
فصل في إثبا الصفات وأنه لا يقتضي التجسيم
...
فصل
قال العراقي: (ثم قال –يعني صاحب الدين الخالص-: وإن أردتم ما يوصف بالصفات، ويرى بالأبصار، ويتكلم ويكلم، ويسمع ويبصر، ويرضى ويغضب، فهذه المعاني ثابتة للرب تعالى، وهو موصوف بها، فلا ننفيها عنه بتسميتكم الموصوف بها جسما –إلى آخر ما قال. قال: فأقول: لم نعرف أحدا عرف الجسم بأنه المتكلم المكلم، السميع البصير، الذي يرضى ويغضب، وإنما هذه صفات تقوم بالحي العاقل. نعم إن الجسم يرى بالأبصار كما قال، ولكن إثبات الجسم له تعالى بهذه المعنى تنزيل له سبحانه منزلة مخلوقاته مما ينافي ألوهيته1، فإن كون الله تعالى جسما بهذا المعنى نقص يجب تنزيهه عنه) .
والجواب أن يقال: ومن أنت يا ابن لكع حتى يلتفت إلى قولك وتعريفك، ونفيك وإثباتك، وتأصيلك PageV01P261
وتفصيلك، لأنك إنما أخذت هذه المباحث الملعونة عن قوم قد ضلوا من قبل، وأضلوا كثيرا وضلوا عن سواء السبيل، فإن أحدا من أئمة الإسلام ومن على طريقهم ومناهجهم لا يقول: إن الله جسم، بل لا يطلقون هذا اللفظ نفيا ولا إثباتا حتى يستفصلوه عما أراد به، ومن أعظم الناس شمس الدين ابن القيم الذي تصديت لرد كلامه نفيا لهذه الأشياء، وله بحوث في هذا المقام يطول ذكرها، وقد ذكرها في الصواعق، وفي غيرها من كتبه، كالكافية الشافية وغيرها.
وأما قوله: (وإنما هذه صفات تقوم بالحي العاقل ... ) إلى آخره.
فأقول: قولك هذا منقوض بإثبات الأسماء والصفات، فإن الله حي عليم قدير، وإن أمكن إثبات حي عليم قدير وليس بجسم أمكن أن يكون له حياة وعلم وقدرة وليس بجسم، وإن لم يمكن ذلك فما كان جوابكم عن إثبات الأسماء كان جوابنا عن إثبات الصفات.
ويقال أيضا: ليس في هذا النفي ما يدل على صحة مذهب أحد من نفاة الصفات أو الأسماء، بل ولا يدل ذلك على تنزيهه سبحانه عن شيء من النقائص، فإن من نفى
شيئا من الصفات لكون إثباته تجسيما وتشبيها يقول له المثبت: قولي فيما أثبته من الأسماء والصفات كقولك فيما أثبته من ذلك، فإن تنازعا في الصفات الخبرية أو العلو أو الرؤية ونحو ذلك، وقال له: هذا يستلزم التجسيم والتشبيه، لأنه لا يعقل ما هو كذلك إلا الجسم، قال له المثبت: لا يعقل ما له حياة وعلم وقدرة وسمع وبصر وكلام وإرادة إلا ما هو جسم، فإذا جاز لك أن تثبت هذه الصفات، وتقول الموصوف بها ليس بجسم جاز لي مثل ما جاز لك من إثبات تلك الصفات، مع أن الموصوف بها ليس بجسم فإذن جاز أن يثبت مسمى بهذه الأسماء ليس بجسم.
فإن قال له: هذه معان وتلك أبعاض. قال له: الرضا والغضب والحب والبغض معان، واليد والوجه وإن كان بعضا فالسمع والبصر أعراض لا تقوم إلا بجسم1 فإن جاز لك إثباتها مع أنها ليست أعراضا ومحلها ليس بجسم جاز لي إثبات هذه مع أنها ليست أبعاضا.