فإن قيل: إن هذا الذي أردناه من هؤلاء الأموات يحصل لنا من أرواحهم، قيل: وهذا منتف في العقل،
كما نفاه القرآن، وذلك أن أرواح الأنبياء والصالحين في أعلى عليين، فيمتنع عقلا وشرعا وفطرة وقدرا أن الأرواح التي فوق السموات السبع، وفي أعلى عليين، أنها تسمع دعاء أهل الأرض، وتنفعهم، وتتصرف فيهم، هذا محال قطعا وضلال مبين، فإن الله تعالى قال: {وهم عن دعائهم غافلون} [الأحقاف: 5] ، فكل من دعي من الأموات والغائبين والأنبياء والصالحين فمن دونهم غافل عن دعاء داعية، بنصوص القرآن العزيز {لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد} [فصلت:42] فسبحان من أنزل كتابه روحا وهدى ونورا وبرهانا يهتدي به من هداه الله إلى صراطه المستقيم.
فصل في بيان شرك من يدعو غائبا في حاجاته
...
فصل
ثم قال العراقي: (ثم إن الوهابية لما رمت المسلمين بهذا المعتقد، الذين هم براء منه، ساقت على بطلانه ذكر الفقهاء في شرائط النكاح، وذلك أنهم قالوا: لو تزوج رجل امرأة بشهادة الله ورسوله لا ينعقد النكاح. وقالت: لو كان النبي يعلم نداء المستغيث به إذا ناداه من بعيد لكان علام الغيوب، ولصح انعقاد النكاح الذي قال الفقهاء ببطلانه) ثم لم يأت بجواب ينض على الوهابية إلا عدم حضور المستغاث عند ندائه، وأنه لا يعتقد هو، والمشركون الداعون غير الله: علم الغيب لأحد. ثم اعتذر عن عدم انعقاد النكاح أنه صيانة لحقوق الزوجة. وبما ذكر بعده مما لا ينقض على الوهابية مدعاهم [بالأدلة الصحيحة المتقدم بيانها فيما مضى] 1 لكن تجارى به كفره وعناده إلى أن قال: (وحينئذ لا يمكن لأحد الخصمين أن يثبت دعواه بشهادة الله ورسوله، إذ نحن لو فرضنا أن الله -تعالى عما يقول الظالمون- جسم ينزل إلى السماء الدنيا كما PageV01P585
زعمت الوهابية نقول: ما جرت عادته تعالى أن ينزل إلى غرفة الحاكم، فيؤدي شهادته أمامه، حسما لنزاع المخاصمين) .
فتعالى الله وتقدس عن كفر هذا العراقي وإلحاده، وجرأته على الله، وعلى شرعه، كيف تجارى به كفره إلى هذه المقالة.
والوهابية لا يقولون: إن الله تعالى جسم -كما تقدم بيانه- بل يثبتون لله تعالى ما أثبته لنفسه، وأثبته له رسوله، ولا يشبهون الله بخلقه، فمن شبه الله بخلقه فقد كفر، ومن جحد ما وصف به نفسه أو وصفه به رسوله، فقد كفر، وليس ما وصف الله به نفسه ووصفه به رسوله كفرا.
ثم قال العراقي الملحد: (قد علمت أن الوهابية كفرت من نادى غير الله تعالى، كقوله: يا رسول الله ونحو ذلك، ونحن إذا أمعنا النظر رأينا أن كفر هذا الذي يقول: يا رسول الله مثلا، لا يخلوا إما أن يكون لأنه يعتقد أن من ناداه يحضر بنفسه حين ندائه، ويسمع نداءه، ويقضي بنفسه له حاجته، وينجيه من الورطة التي ناداه من أجلها، أو يكون لأنه يعتقد أن الذي يناديه يسمع نداءه بإسماع الله إياه بمحض قدرته، وأن الله تعالى لا غيره يقضي حاجته ببركة ذلك المنادى، وأن الله تعالى ينجيه من الورطة التي هو فيها بجاه ذلك النبي، وعلى كلا التقديرين ففيه من
السقط ما فيه. أما الأول: فلأن من اعتقد أن أحدا غير الله تعالى يقضي الحاجة، وينجي من الورطة: فقد كفر، سواء نادى ذلك الأحد، أو لم يناده، فلا وجه لتخصيص كفره بحالة النداء، وأنت تعلم أن لا أحد من المسلمين يعتقد هذا المعتقد. وأما الثاني: فلأن من كان قلبه عريقا بالإيمان، معتقدا أن الذي يقضي الحوائج، وينجي من المهالك، إنما هو الله تعالى لا غيره، لا يجوز أن يكون كافرا بمجرد نداء غائب، معتقدا أن الله سبحانه يخلق فيه السماع) .