وقوله: (وليس في الآيات النازلة في الكفار دلالة على كون الاستغاثة بنبي أو ولي مع الإيمان بالله تعالى هي عبادة لغير الله) .
فأقول: بل فيها الدلالة الواضحة على أن من صرف لغير الله شيئا من العبادة التي لا يستحقها إلا الله فهو مشرك، فإن صرفها لغير الله مناف للإيمان بالله تعالى.
فصل في بيان أن الإستغاثة من الدعاء
...
فصل
ثم قال العراقي: (قالت الوهابية: إن الاستغاثة من نوع الدعاء، وقد ورد في الحديث: "أن الدعاء هو العبادة" 1 فالذي يستغيث بنبي أو ولي فهو إنما يعبده بتلك PageV01P442
الاستغاثة، وحيث إن العبادة لا تصلح إلا لله وحده، وإن عبادة غيره شرك كان المستغيث بغيره1 مشركا.
ثم قال: فالجواب على هذا: أن ضمير الفصل إنما يفيد قصر المسند على المسند إليه، وكذا تعريف الخبر، كما ذكره صاحب "المفتاح" وعليه الجمهور، فقولنا: الله هو الرازق مثلا، معناه لا رازق سواه، وعلى هذا: فقوله عليه الصلاة والسلام: "الدعاء هو العبادة" دال على أن العبادة مقصورة على الدعاء، فيكون المراد من الحديث أن العبادة ليست غير الدعاء، ويؤيده قوله تعالى: {قل ما يعبأ2 بكم ربي لولا دعاؤكم فقد كذبتم} [الفرقان: 77] أي ما يصنع بكم لولا عبادتكم، فإن شرف الإنسان بعبادته، وكرامته بمعرفته وطاعته، وإلا فلا فضل له على البهائم، والحج والصلاة، والزكاة والصيام والشهادة، PageV01P443
كلها دعاء، وكذلك التلاوة والأذكار، والطاعة، فانحصرت1 العبادة في الدعاء. إذا تقرر هذا فلا حجة في الحديث، إذ على تقدير كون الاستغاثة من نوع الدعاء كما قالته الوهابية، لا يلزم أن تكون عبادة، لما أن الدعاء قد لا يكون عبادة كما هو ظاهر ... ) إلى آخر كلامه.
والجواب أن نقول: الاستغاثة هي طلب الغوث، وهو إزالة الشدة، كالاستنصار: طلب النصر، والاستعانة: طلب العون. كما تقدم ذكره عن شيخ الإسلام رحمه الله.
وقال غيره: الفرق بين الاستغاثة والدعاء: أن الاستغاثة لا تكون إلا من المكروب، والدعاء أعم من الاستغاثة، لأنه يكون من المكروب وغير المكروب، فعطف الدعاء على الاستغاثة من عطف العام على الخاص، فبينهما عموم وخصوص مطلق، يجتمعان في مادة، وينفرد الدعاء عنها في مادة، فكل استغاثة دعاء، وليس كل دعاء استغاثة.
فإن تبين لك أن بينهما عموما وخصوصا مطلقا2، وأن كل استغاثة دعاء، وقد علمت أن الدعاء هو العبادة بنص PageV01P444
رسول الله صلى الله عليه وسلم، فاعلم أن الدعاء نوعان: دعاء عبادة، ودعاء مسألة. ويراد به في القرآن هذا تارة وهذا تارة، ويراد به مجموعهما، فدعاء المسألة هو طلب ما ينفع الداعي من جلب نفع أو كشف ضر، ولهذا أنكر الله على من يدعو1 أحدا من دونه، ممن لا يملك ضرا ولا نفعا، كقوله تعالى: {قل أتعبدون من دون الله ما لا يملك لكم ضرا ولا نفعا والله هو السميع العليم} [المائدة:76] ، وقوله: {قل أندعو من دون الله ما لا ينفعنا ولا يضرنا ونرد على أعقابنا بعد إذ هدانا الله} [الأنعام: 71] الآيات. وقال: {ولا تدع من دون الله ما لا ينفعك ولا يضرك فإن فعلت فإنك إذا من الظالمين} [يونس:106] .
قال شيخ الإسلام رحمه الله: فكل دعاء عبادة مستلزم لدعاء المسألة، وكل دعاء مسألة متضمن لدعاء العبادة.
قال الله تعالى: {ادعوا ربكم تضرعا وخفية إنه لا يحب المعتدين} [الأعراف:55] ، وقال تعالى: {قل أرأيتكم إن أتاكم عذاب الله أو أتتكم الساعة أغير الله تدعون إن كنتم صادقين. بل إياه تدعون فيكشف ما تدعون إليه إن شاء وتنسون ما تشركون} [الأنعام:40-41] ، وقال تعالى: {وأن المساجد لله فلا تدعو مع الله أحدا} PageV01P445