وفاة أحمد تيمور
:
10 - استمرت تلك الحياة الهادئة دائبة في دراسة كنوز الإسلام، واستخراجها، غير وانية، ولكن في غير ضجة حتى انطفأ ذلك الصباح المنير في مطلع صيف سنة 1930، فكانت رنة الناعي معرفة للناس مكانة من فقدوا من رجالات الإسلام. PageV01P035
كنت أجلس مع بضعة من شيوخنا الأمجاد الذين يصادقونه ويذاكرونه، وقد تعودت أن أقبس من مجالسهم، وآنس بأخبارهم، وكان لهم في كل يوم ندوة من الأحاديث المطلقة التي يجمعها العلم ولا تضيق بموضوع معين، بل إنها سمر أدبي وديني يجمع بين فكاهات أدبية، وبيان حقائق إسلامية وردود على ما يجري على أقلام بعض الكتاب من انحراف في القول.
ولكن في مساء اليوم الذي شيعت فيه جنازة العالم أحمد تيمور صار هو موضوع تلك الندوة المباركة، ومن بينهم من كان يجاوره، ومنهم من كان يصطفيه ويستفتيه ومكثنا على ذلك أكثر من ثلاث ليال سويا لا حديث لنا إلا عن تيمور، وكنا نعود إليه الفينة بعد الفينة، لأنه لا ينسى.
وكانت تنشر له مقالات مسلسلة عن أعلام عصره في إحدى المجلات الأدبية، فكنت ألمح صدق القصص، ودقة الخبر، واتصال السند في لفظ بين من السهل الممتنع، لا يعلو على العامة، ولا ينبو عن آذان الخاصة، ويجد فيه القارئ نوافذ تطل على آفاق واسعة تكشف عن عصر أولئك الأعلام من غير تكلف في عبارات مقربة.
وكنت ترى في الكتابة تصويرا دقيقا وواضحا للعلم من الأعلام، من وراء تنقلاته الفكرية.
11 - ولقد أنصف بهذه الكتابة التي كانت تنشرها المجلات وتسجل في كتب رجال عصرنا. PageV01P036
ومن ذا الذي كان يعرف حياة الإما حسونة النواوي الذي سجل له التاريخ مواقف مملوءة بعزة العلم وكرامته.
وما الذي يعرفه الناس عن العالم الذي اعتز بالعلم فقط والذي كان يقصد من آفاق الأرض لعلمه، وهو الإمام حسن الطويل لولا قلم أحمد تيمور.
إن الأفاضل من علمائنا وكبرائنا الذين عملوا بالعلم، وبالعلم وحده لا يذكرون في أوساط الناس كما يذكر غيرهم، وكان الوفاء للعلم والعلماء أن يسجلهم إمام جليل مثلهم في كتب منشورة.
ولكن الذين أدركهم تيمور، والتقى بهم وكان لهم النصيب الوفير، جاءوا بعدهم يحتاجون إلى من يلتفت إليهم في وسط ضجة غيرهم ممن لم يكن لهم فضلهم، وليس لهم في الدين والخلق والعلم مآثرهم، فهل من منصف محقق ينصفهم، كما أنصف أسلافهم من الأكرمين أحمد تيمور - رحمه الله تعالى -.
إن تاريخ علمائنا الذين اتصلت حياتنا بحياتهم، ونهلنا من معارفهم، وقدموا لنا أرسال الفكر سائغة نقية سليمة، لم ير فيها ريب، ولم يخالطها انحراف، إنهم في ذمة التاريخ والتعريف بهم في أعناقنا.