القسم الأول
في تاريخ النصرانية وقبائلها في عهد الجاهلية
الفصل الأول
تاريخ النصرانية في جزيرة العرب
هيا بنا الآن بعد هذه المقدمات الوجيزة نبحث عن النصرانية وآدابها بين العرب الجاهلية وهما البحثان اللذان جعلنا الفصول السابقة كتمهيد لهما.
الباب الأول
مبادئ النصرانية بين العرب
قلنا في مطلع كلامنا أن الأفادات التي خلفها كتبة العرب عن الأديان الشائعة في جزيرتهم قبل الإسلام نزرة قليلة. وهذا القول يصح أيضا في النصرانية مع أنها كانت أقرب إليهم عهدا فإذا ذكروا الدين المسيحي لا يكادون يذكرون من تاريخه غير شيوعه في بعض القبائل. هذا إذا اعتبرت فصولهم الوجيزة التي خصوها بالأديان. بيد أنهم في عرض كلامهم عن بعض عادات العرب وقصصهم وأمثالهم لهجاتهم حدا بهم الامر إلى أن يأتوا بمعلومات أخرى عديدة تجدها متفرقة متشعثة في تآلفهم لم يجمعها حتى الآن العلماء المستشرقون لإنشغالهم بالبحث عن آلهة العرب وعن فك رموز ديانتهم القديمة ونشر ما وجد السائحون في بلادهم من الكتابات الحجرية في اللغات الحميريذة والنبطية والصفوية فضلا عن اليونانية واللاتينية أو ما استخرجوه بالحفر من الآثار بعد مخاطرتهم بالحياة.
وكذلك ورد في كتب نصارى أهل الشرق ولا سيما قدماء الروم والسريان وبعض الكتبة اللاتينيين فوائد شتى عن النصرانية في أنحاء العرب دونوها في معرض رواياتهم التاريخية وأوصافهم الاجتماعية ورحلهم العلمية وفي أخبارهم عن أولياء الله القديسين الشهداء أو النساك المتعبدين في بوادي العرب مما رأوه بالعيان أو استفادواه من شهود عيانيين أو كتبة موثوق بهم فهذه المعلومات أأيضا عظيمة الشأن غالية الأثمان لم تجمع حتى اليوم تماما وإنما روى منها بعض الكتبة فصولا تحتاج على توسيع وتكملة نخص منها بالذكر الكتب والمقالات الآتية ما عدا ما ذكر من ذلك في التآليف التي عددناها سابقا: 1 أعمال البولنديين: مقالات الأب كربنتيه اليسوعي في النصرانية بين العرب 1- E.Carpentier S.j.: De SS. Aretha et Ruma Commentarius (Acta SS., X, Octob., 661 - 697) .
2 أصول النصرانية في بلاد العرب للعلامة ريت.
2- Wright: Early Christianity in Arabia, London 1855.
3 الشرق المسيحي للأب لوكيان 3- Lequien: Oriens Christianus.
4 دي ساسي: مقالة عن تاريخ العرب قبل محمد 4- Le Bon de Sacy (S.) : Memoire sur l'Hisloire des Arabes avant Mabomet.
5 تاريخ الدولة العربية بين المسيح ومحمد.
5- J.J Reiskii: Prima linea Historia Regnorum Arabicorum inter chris- tum et Modammedem.
اعلم أن أقدم الآثار النصرانية كما لا يخفى الأناجيل الأربعة وتاريخ أعمال الرسل للقديس لوقا ورسائل بعض التلاميذ الرب الأولين. وكلها من القرن الأول للمسيح كما يقر به معظم العلماء من الإباحيين فضلا عن المؤمنين وإن كان أولئك يخالفون الكاثوليك في تعيين سنة كتابة هذه الأسفار وأصحابها. فهذه الآثار لا تخلو من الدلائل على أن العرب نالوا من أنوار النصرانية منذ بزوغ شمسها.
ولعا أول من استحق أن ينظم من العرب بين تبعة السيد المسيح أولئك الشيوخ الذين عرفوا بالمجوس الذين فأتوا إلى بيت لحم وأهدوا الرب ألطافهم وسجدوا له في مهده كما أخبر متى في إنجيله (ف2) . إما كونهم من العرب أو على الأقل يعضهم فلنا على ذلك عدة بينات ترجح هذا الرأي إن لم تجزم به قطعيا. فمن ذلك أقدم نصوص الآباء والكتبة الكنسيين من القرن الثاني للمسيح إلى القرن الخامس الذين يجعلونهم عربا كالقديس يوستينوس في القرن الثاني في مباحثه مع تريفون. وترتوليان المعلم في كتابيه ضد اليهود (ف9) وضد مرقيون (ك3ف13) . وكالقديس قبريانوس في القرن الثالث في ميمره عن كوكب المجوس. وكالقديس أبينانوس في القرن الرابع في شرحه لدستور الإيمان (عدد8) . والقديس يوحنا فم الذهب معاصره في الميمر الثاني على شرح الإنجيل متى. PageV01P001