حمى المدينة
ولم يكن هواء المدينة في البدء موافقا للمهاجرين من أهل مكة، فأصاب كثيرا منهم الحمى «5» ، وكان رسول الله يعودهم فلما شكوا إليه الأمر قال: اللهم حبب إلينا المدينة كما حببت إلينا مكة وأشد وبارك في مدها وفي صاعها، وانقل وباءها إلى الجحفة «6» ، فاستجاب الله جل وعلا دعوته، وعاش المهاجرون في المدينة بسلام. PageV01P081
منع المستضعفين من الهجرة
ومنع مشركو مكة بعضا من المسلمين عن الهجرة، وحبسوهم وعذبوهم منهم الوليد بن الوليد «1» وعياش بن ربيعة، وهشام بن العاص «2» فكان عليه الصلاة والسلام يدعو لهم في صلاته، وهذا أصل القنوت، وقد حصل في أوقات مختلفة ومحال في الصلاة مختلفة، فكان في وتر العشاء، وصلاة الصبح بعد الركوع وقبله، فروى كل صحابي ما راه، وهذا سبب اختلاف الائمة في مكان القنوت «3» . PageV01P082
السنة الأولى
بناء المسجد
«1»
ثم شرع عليه الصلاة والسلام في بناء مسجده في مبرك ناقته أمام محلة بني النجار، وكان محله مربدا للتمر يملكه غلامان يتيمان «2» في حجر أسعد بن زرارة، فدعا الغلامين، وساومهما المربد ليتخذه مسجدا، فقالا بل نهبه لك يا رسول الله، فأبى عليه الصلاة والسلام أن يقبله منهما هبة بل ابتاعه منهما، وكان فيه قبور للمشركين وبعض حفر ونخل، فأمر بالقبور فنبشت، وبالحفر فسويت، وبالنخل فقطع، ثم أمر باتخاذ اللبن فاتخذ وشرعوا في البناء، به، وجعلوا عضادتي الباب من الحجارة، وسقفوه بالجريد، وجعلت عمده من جذوع النخل، ولا يزيد ارتفاعه عن القامة إلا قليلا، وقد عمل فيه رسول الله بنفسه ليرغب المسلمين في العمل، وصاروا يرتجزون وهو يقول معهم.
اللهم لا خير إلا خير الاخرة ... فارحم الأنصار والمهاجرة
وجعلت قبلة المسجد في شماله إلى بيت المقدس، وجعل له ثلاثة أبواب ثم حصبت أرضه لأن المطر كان قد أثر فيه، فأمر عليه الصلاة والسلام بحصبه، ولم يزين المسجد بفرش حتى ولا بالحصر، وبنى بجانبه حجرتان، احداهما لسودة بنت زمعة، والاخرى لعائشة، ولم يكن عليه الصلاة والسلام متزوجا غيرهما إذ PageV01P083
ذاك، وكانت الحجرتان متجاورتين وملاصقتين للمسجد على شكل بنائه، وصارت الحجرات تبنى كلما جاءت زوج «1» .