البيان
قال لي أحد الرؤساء ذات يوم: "إني لتأتيني أحيانا رقاع الاستعطاف فأكاد أهملها لما تشتمل عليه من الأساليب المنفرة لولا أن الله تعالى يلهمني نيات كاتبيها وأين يذهبون، ولولا ذلك لكنت من الظالمين".
ذلك ما يراه القارئ في كثير من المخطوطات التي يخطها اليوم كاتبوها في الصحف ورقاع الشكوى والكتب الخاصة والمؤلفات العامة.
هزل في موضع الجد، وجد في موضع الهزل، وإسهاب في مكان الإيجاز، وإيجاز في مكان الإسهاب، وجهل بفرق ما بين العتاب والتأنيب، والانتقام والتأديب، والاستعطاف والاستخفاف، وقصور عن إدراك منازل الخطاب ومواقفه بين السوقة والأمراء، والعلماء والجهلاء، حتى إن الكاتب ليقيم في الشوكة يشاكها، مناحة لا يقيمها في الفاجعة يفجع بها، ويكتب في الحوادث الصغار، ما يعجز عن كتابة مثله في الحوادث
الكبار، ويخاطب صديقه بما يخاطب به عدوه، ويناجي أجيره، بمثل ما يناجي به أميره.
ذهب الناس في معنى البيان مذاهب متفرقة واختلفوا في شأنه اختلافا كثيرا ولا أدري علام يختلفون، وأين يذهبون، وهذا لفظه دال على معناه دلالة واضحة لا تشتبه وجوهها، ولا تتشعب مسالكها.
ليس البيان إلا الإبانة عن المعنى القائم في النفس وتصويره في نظر القارئ أو مسمع السامع تصويرا صحيحا لا يتجاوزه ولا يقصر عنه، فإن علقت به آفة من تينك الآفتين فهو العي والحصر.
جهل البيان قوم فظنوا أنه الاستكثار من غريب اللغة ونادر الأساليب فأغصوا بها صدور كتاباتهم وحشوها في حلوقها حشوا يقبض أوداجها ويحبس أنفاسها، فإذا قدر لك أن تقرأها وكنت ممن وهبهم الله صدرا رحبا، وفؤاد جلدا، وجنانا يحتمل ما حمل عليه من آفات الدهر ورزاياه، قرأت متنا مشوشا من متون اللغة، أو كتابا مضطربا من كتب المترادفات.
وجهله آخرون فظنوا أنه الهذر في القول والتبسط في الحديث واقعا ذلك من حال الكلام ومقتضاه حيث وقع، فلا يزالون يجترون بالكلمة اجترار الناقة بجرتها، ويتمطقون بها
تمطق الشفاه بريقتها، حتى تسف، وتتبذل، وحتى ما تكاد تسيغها الحلوق، ولا تطرف عليها العيون، وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا.
يخيل إلي أن الكتاب في هذا العصر يكتبون لأنفسهم أكثر مما يكتبون للناس، وأن كتابتهم أشبه شيء بالأحاديث النفسية التي تتلجلج من نفس الإنسان حينما يخلو بنفسه، ويأنس بوحدته، فإني لا أكاد أرى بينهم من يضع فمه على أذن السامع وضعا محكما، وينفث في روعه ما يريد أن ينفث من خواطر قلبه، وهواجس نفسه.
البيان صلة بين متكلم يفهم، وسامع يفهم، فبمقدار تلك الصلة من القوة والضعف تكون منزلة الكاتب من الرفعة والسقوط، فإن أردت أن تكون كاتبا فاجعل هذه القاعدة في البيان قاعدتك، واحرص الحرص كله على أن لا يخدعك عنها خادع فتسقط مع الساقطين.
ما أصيب البيان العربي بما أصيب به إلا من ناحية الجهل بأساليب اللغة العربية، ولا أدري كيف يستطيع الكاتب أن يكون كاتبا عربيا قبل أن يطلع على أساليب العرب في أوصافهم ونعوتهم، ومدحهم وهجوهم، ومحاوراتهم ومساجلاتهم، وقبل
أن يعرف كيف كانوا يعاتبون ويؤنبون، ويعظون وينصحون، ويتغزلون وينسبون، ويستعطفون ويسترحمون، وبأي لغة يحاول أن يكتب ما يريد إن لم يستمد تلك الروح العربية استمدادا يملأ ما بين جوانحه حتى يتدفق مع المداد من أنبوب يراعه على صفحات قرطاسه.