النبوغ
من العجز أن يزدري المرء نفسه فلا يقيم لها وزنا، وأن ينظر إلى من هو فوقه من الناس نظر الحيوان الأعجم إلى الحيوان الناطق، وعندي أن من يخطئ في تقدير قيمته مستعليا، خير ممن يخطئ في تقديرها متدليا، فإن الرجل إذا صغرت نفسه في عين نفسه يأبى لها من أحواله وأطواره إلا ما يشاكل منزلتها عنده، فتراه صغيرا في علمه، صغيرا في أدبه، صغيرا في مروءته وهمته، صغيرا في ميوله وأهوائه، صغيرا في جميع شئونه وأعماله، فإن عظمت نفسه عظم في جانبها كل ما كان صغيرا في جانب النفس الصغيرة.
ولقد سأل أحد الأئمة العظماء ولده وكان نجيبا, أي غاية تطلب في حياتك يا بني، وأي رجل من عظماء الرجال تحب أن تكونه؟ فأجابه: أحب أن أكون مثلك، فقال: ويحك يا بني لقد صغرت نفسك، وسقطت همتك، فلتبك على عقلك البواكي، لقد قدرت لنفسي يا بني في مبدأ نشأتي أن أكون كعلي بن أبي طالب
فما زلت أجد وأكدح حتى بلغت المنزلة التي تراها، وبيني وبين علي ما تعلم من الشأو البعيد والمدى المستحيل، فهل يسرك وقد طلبت منزلتي أن يكون ما بينك وبيني من المدى مثل ما بيني وبين علي.
كثيرا ما يخطئ الناس في التفريق بين التواضع وصغر النفس، وبين الكبر وعلو الهمة، فيحسبون المتذلل المتملق الدنيء متواضعا، ويسمون الرجل إذا ترفع بنفسه عن الدنايا وعرف حقيقة منزلته من المجتمع الإنساني متكبرا، وما التواضع إلا الأدب، ولا الكبر إلا سوء الأدب، فالرجل الذي يلقاك متبسما متهللا، ويقبل عليك بوجهه ويصغي إليك إذا حدثته، ويزورك مهنئا ومعزيا، ليس صغير النفس كما يظنون، بل هو عظيمها؛ لأنه وجد التواضع أليق بعظمة نفسه فتواضع، والأدب أرفع لشأنه فتأدب.
فتى كان عذب الروح لا من غضاضة ... ولكن كبرا أن يقال به كبر
فإن بلغ الذل بالرجل ذي الفضل أن ينكس رأسه للكبراء ويترامى على أيديهم وأقدامهم لثما وتقبيلا، ويتبذل بمخالطة السوقة والغوغاء بلا ضرورة ولا سبب، ويكثر من شتم نفسه
وتحقيرها ورميها بالجهل والغباوة ليكون متواضعا، ويبصبص برأسه بصبصة الكلب بذنبه ليكون متأدبا، ويجلس في مدارج الطرق جلسة البائس المتسول، ويمشي مشية الخائف المبلس، فاعلم أنه صغير النفس ساقط الهمة لا متواضع ولا متأدب.
إن علو الهمة ساقط إذا لم يخالطه كبر يزري به ويدعو صاحبه إلى التنطع وسوء العشرة كان أحسن ذريعة يتذرع بها الإنسان إلى النبوغ في هذه الحياة، وليس في الناس من هو أحوج إلى علو الهمة من طالب العلم؛ لأن حاجة الأمة إلى نبوغه أكثر من حاجتها إلى نبوغ سواه من الصانعين والمحترفين، وهل الصانعون والمحترفون إلا حسنة من حسناته، وأثر من آثاره، بل هو البحر الزاخر الذي تستقي منه الجداول والغدران.
فيا طالب العلم كن عالي الهمة، ولا يكن نظرك في تاريخ عظماء الرجال نظرا يبعث في قلبك الرهبة والهيبة فتتضاءل وتتصاغر كما يفعل الجبان المستطار حينما يسمع قصة من قصص الحروب، أو خرافة من خرافات الجن، وحذار أن يملك اليأس عليك قوتك وشجاعتك فتستسلم استسلام العاجز الضعيف, وتقول من لي بسلم أصعد عليها إلى السماء حتى أصل إلى قبة الفلك فأجالس فيها عظماء الرجال.
يا طالب العلم أنت لا تحتاج في بلوغك الغاية التي بلغها النابغون من قبلك إلى خلق غير خلقك، وجو غير جوك، وسماء وأرض غير سمائك وأرضك، وعقل وأداة غير عقلك وأداتك، ولكنك في حاجة إلى نفس عالية كنفوسهم، وهمة عالية كهممهم، وأمل أوسع من رقعة الأرض وأرحب من صدر الحليم، ولا يقعدن بك عن ذلك ما يهمس به حاسدوك في خلواتهم من وصفك بالوقاحة أو بالسماجة، فنعم الخلق هي إن كانت السبيل إلى بلوغ الغاية، فامض على وجهك ودعهم في غيهم يعمهون.