عذرتكم لو أن هؤلاء الذين تريقون دماءهم في بلادكم كانوا ظالمين لكم في شأن من شئون حياتكم، أو ذاهبين في معاشرتكم والكون معكم مذاهب سوء تخافون مغبتها، وتخشون عاقبتها، أما والقوم في ظلالكم والكون تحت أجنحتكم أضعف من أن يمدوا إليكم يد سوء أو يبتدروكم ببادرة شر فلا عذر لكم.
عذرتكم بعض العذر لو لم تقتلوا الأطفال الذين لا يسألهم الله عن دين ولا مذهب قبل أن يبلغوا سن الحلم، والنساء الضعيفات اللواتي لا يحسن في هذه الحياة أخذا ولا ردا، والشيوخ الزاحفين إلى القبور قبل أن تزحفوا إليهم وتتعجلوا قضاء الله فيهم.
أما وقد أخذتم البريء بجريرة المذنب فأنتم مجرمون لا مجاهدون، وسفاكون لا محاربون.
من أي صخرة من الصخور أو هضبة من هضبات الجبال
نحتم هذه القلوب التي تنطوي عليها جوانحكم والتي لا تروعها أنات الثكالى، ولا تحركها رنات الأيامى.
من أي نوع من أنواع الأحجار صيغت هذه العيون التي تستطيعون أن تروا بها منظر الطفل الصغير والنار تأكل أطرافه وتتمشى في أحشائه وبين جوانحه فتصرخ أمه وأمه عاجزة عن معونته؛ لأن النار لم تترك لها يدا تحركها، ولا قدما تمشي عليها.
لا أستطيع أن أهنئكم بهذا الظفر والانتصار؛ لأني أعتقد أن قتل الضعفاء جبن وعجز، ولؤم ودناءة، وأن سفك الدماء بغير ذنب ولا جريرة وحشية وهمجية أحرى أن يعزى صاحبها فيها، لا أن يهنأ بها.
أيها المسلمون: أقتلوا المسيحيين ما شئتم وشاءت لكم شراستكم ووحشيتكم، ولكن حذار أن تذكروا اسم الله على هذه الذبائح البشرية فالله سبحانه وتعالى أجل من أن يأمر بقتل الأبرياء، أو يرضى باستضعاف الضعفاء، فهو أحكم الحاكمين، وأرحم الراحمين.
البخيل
سألني سائل ماذا يستفيد الإنسان من بخله حتى على نفسه, وأي غرض يرمى إليه من
ذلك؟ فأجبته بهذا الجواب:
البخل إحدى الملكات النفسية، والملكة صفة راسخة في النفس تصدر عنها آثارها عفوا بدون روية ولا اختيار، فكما لا يسئل المسرف عن سبب إسرافه، والغاضب عن غايته من غضبه، والحاسد عن غرضه من حسده، كذلك لا يسئل البخيل عما يستفيده من بخله وحرصه، فكثيرا ما تعرض لأرباب هذه الملكات عوارض تنزع بهم إلى الرغبة عن التخلي عنها حينا فلا يجدون إلى ذلك سبيلا لمكان تلك الملكات من نفوسهم ونزولها منها منزلة لا تزعجها الرغبات، ولا تزعزعها الإرادات، وربما عرض للبخيل ما يدفعه إلى بذل شيء من ماله فإذا وضع يده في كيسه وحاول القبض على شيء مما فيه أحس كأن تيارا كهربائيا قد سرى من نفسه إلى يده فتشنجت أعصابها وأعيت أناملها على الالتواء والانثناء فأخرجها صفرا كما أدخلها وبوده أن لا يفعل
لولا أن للغريزة قوة فوق قوة الإرادة وسلطانا تخضع له الرغبات وتنقاد إليه العقول إلا إذا كان وراءها وازع من القانون يزعها فإنه يكسر شرتها أحيانا، وإن لم ينتزعها انتزاعا.
ويحكى أن شحيحا تحركت في قلبه يوما الشفقة على ابنته الجائعة العارية فأراد نفسه على أن يبذل لها شيئا من ماله, فتأبت عليه فأذن لوكيله أن يختلس لها من ماله ما يسد خلتها من حيث لا يعلمه بذلك ولا يدعه ينتبه لشيء منه علما بأنه لايستطيع أن يكون كما يريد.
فالوجه في السؤال أن يقال ما هي الأسباب التي غرست ملكة البخل في نفس البخيل؟ فيكون الجواب عن ذلك: أن الأسباب تختلف باختلاف الأشخاص البخلاء, وأطوارهم وأخلاقهم وتربيتهم، ونحن نذكر أهم تلك الأسباب من حيث ذاتها بقطع النظر عن افتراق ما يفترق منها واجتماع ما يجتمع.