الزوجتان
حدث أحد الأصدقاء قال: سأقص عليك قصة لسيت من خيالات الشعراء ولا أكاذيب القصاصين.
أويت إلى مضجعي في ليلة من ليالي الشتاء حالكة الجلباب, غدافية الإهاب، فما استقبلت أول طليعة من طلائع النوم حتى قرع باب غرفتي فتسمعت فإذا الخادم تقول: إن امرأة سيئة الحال بذة الثياب في زي المتسولات تلح في طلب مقابلتك وتقول إن لها عندك شأنا، فقلت في نفسي لا شأن لي مع امرأة, وربما كانت ذات حاجة وكانت حاجتها إلي أكثر من حاجتي إلى النوم، على أن النوم لا يفوتني، فليل الشتاء أطول من يوم القضاء، فارتديت ردائي ونزلت فإذا فتاة في ملاءة بالية وبرقع خلق ينم بجمالها كما ينم السحاب المتقطع بضوء الشمس، وإذا هي ترعد وتضطرب وتقول بصوت شجي: أما في الناس أخو همة ومروءة يعين على الدهر الغادر ويطفئ هذه الجذوة التي تأجج بين أضعالي بقطرة واحدة من الرحمة، فقلت: من أنت
يرحمك الله؟ قالت: أنا فلانة زوج فلان، فدهشت وغصصت بريقي حتى ما أجد بلة أحرك بها لساني لهول ما سمعت، وسوء ما رأيت، وقلت يا للعجب، زوجة فلان على عظمه وعظمها، وجلاله وجلالها، تخرج في مثل هذه الساعة في مثل هذه الملابس، فسألتها ما شأنك يا سيدتي ومم تبكين؟ قالت: لا تحدث نفسك بريبة ولا تذهب بك الظنون مذاهبها, فوالله ما جئت إليك تحت حجاب الليل إلا وأنت أوثق الناس عندي، وأرفعهم في عيني، ولولا شدة أقلقت مضجعي وفرقت ما بين جفني والكرى ما خضت سواد الليل في مثل هذه الساعة, ولا حملت في سبيلي إليك ما حملت، قلت: عهدي بسيدتي رخية البال ناعمة العيش سعيدة الحظ بزوج عذب الأخلاق كريم السجايا لا يؤثر هوى نفسه على هواك ولا يعدل بك أحدا، قالت: إنك تقص علي حديث الأمس وقد مضى به الفلك الدائر، والكوكب السيار، فاسمع مني حديث اليوم.
إنك لا بد تعلم تاريخ زواجي منه منذ ثلاثة أعوام, وأن أبي لم يبتغ به بدلا على كثرة الخاطبين إليه من علية القوم وجلتهم, وأنا لا ألومه على ذلك رحمة الله عليه فما أراد بي شرا ولا اعتمد أن يسيء الاختيار لي, ولكنه كان رجلا أبيض السريرة طاهر
القلب فخدعه الخادعون عني، ومن ذا الذي لا يخدع بشاب متعلم مهذب من ذوي المناصب الكبيرة والرتب العالية، وكيفما كان الأمر فقد تم عقد الزواج بيننا فاعتبطت به واعتبط بي برهة من الزمان حسبتها دائمة لا انقطاع لها حتى يفرق بيننا الموت، وكنت امرأة أجمع في نفسي جميع ما يمت به النساء إلى الرجال فما خنته ولا ضقت ذرعا بأمره ولا قطبت في وجهه مرة ولا أتلفت له مالا ولا نقضت له عهدا, فجازاني سوءا بالإحسان، وكفر بنعمة الله بعد الإيمان، وخان ودي، ونقض عهدي، لا لذنب أتيته، أو وصمة يصمني بها، وكل ما في الأمر أنه رجل ملول، ولا تغضب يا سيدي إن قلت لك إن قلب الرجل متقلب متلون يسرع إلى البغض كما يسرع إلى الحب، وإن هذه المرأة التي تحتقرونها وتزدرونها وتضربون الأمثال بخفة عقلها وضعف قلبها أوثق منه عقدا، وأمتن ودا، وأوفى عهدا، ولو وفى الزوج لزوجته وفاءها له ما استطاع أن يفرق بين قلبيهما إلا ريب المنون، قلت: أنا لا أغضب لشي إلا للإنسانية أن ينقض عهدها، ويخفر ذمامها، ثم ماذا تم بعد ذلك، قالت: مات أبي كما تعلم وخلف لي مالا أمكنت منه زوجي فأتلفه بين الخمر والقمر، فكنت أغضي على هفواته رحمة به وشفقة عليه واستبقاء لوده,