لقد لقى -صلى الله عليه وسلم- في هجرته عناء كبيرا وشدة عظيمة, فإن قومه كانوا يكرهون مهاجرته لا ضنا به بل مخافة أن يجد في دار هجرته الأعوان والأنصار ما لم يجد بينهم, كأنما كانوا يشعرون بأنه طالب حق وأن طالب الحق لا بد أن يجد بين المحقين أعوانا وأنصارا، فوضعوا عليه العيون والجواسيس فخرج من بينهم ليلة الهجرة متنكرا بعد ما ترك في فراشه ابن عمه علي ابن أبي طالب رضي الله عنه عبثا بهم وتضليلا لهم عن اللحاق به, ومشى هو وصاحبه أبو بكر رضي الله عنه يتسلقان الصخور ويتسربان في الأغوار والكهوف ويلوذان بأكناف الشعاب والهضاب حتى انقطع عنهم الطلب, وتم لهما ما أرادا بفضل الصبر والثبات على الحق.
إن حياة النبي -صلى الله عليه وسلم- أعظم مثال يجب أن يحتذيه المسلمون للوصول إلى التخلق بأشرف الأخلاق والتحلي بأكرم الخصال وأحسن مدرسة يجب أن يتعلموا فيها كيف
يكون الصدق في القول والإخلاص في العمل والثبات على الرأي وسيلة إلى النجاح, وكيف يكون الجهاد في سبيل الحق سببا في علوه على الباطل.
لا حاجة لنا بتاريخ حياة فلاسفة اليونان، وحكماء الرومان، وعلماء الإفرنج، فلدينا في تاريخنا حياة شريفة مملوءة بالجد والعمل والصبر والثبات والحب والرحمة والحكمة والسياسة والشرف الحقيقي والإنسانية الكاملة وهي حياة نبينا -صلى الله عليه وسلم- وحسبنا بها وكفى.
الإنصاف:
إذا كان لك صديق تحبه وتواليه ثم هجمت من أخلاقه على ما لم يحل في نظرك, ولم يتفق مع ما علمت من حاله، وما أطرد عندك من أعماله، أو كان لك عدو تذم طباعه، وتنقم منه شئونه، ثم برقت لك من جانب أخلاقه بارقة خير فتحدثت بما قام في نفسك من مؤاخذة صديقك على الهفوة التي ذممتها، وحمد عدوك على الخلة التي حمدتها، عدك الناس متلونا أو مخادعا أو ذا وجهين تمدح اليوم من تذم بالأمس وتذم في ساعة من تمدح في أخرى, وقالوا: إنك تظهر ما لا تضمر وتخفي غير الذي تبدي، ولو أنصفوك لأعجبوا بك وبصدقك، ولأكبروا سلامة قلبك من هوى النفس وضلالها، ولسموا ما بدا لهم منك اعتدالا لا نفاقا، وإنصافا لا خداعا؛ لأنك لم تغل في حب صديقك غلو من يعميه الهوى عن رؤية عيوبه ولم تتمسك من صداقته بالسبب الضعيف فعنيت بتعهد أخلاقه، وتفقد خلاله، لإصلاح ما فسد من الأولى، واعوج من الأخرى.
إن صديقك الذي يبسم لك في حالي رضاك وغضبك، وحلمك وجهلك، وصوابك وسقطك، ليس ممن يغتبط بمودته، أو يوثق بصداقته؛ لأنه لا يصلح أن يكون مرآتك التي تتراءى فيها فتكشف لك عن نفسك وتصدقك عن زينك وشينك، وحلوك ومرك، وهو إما جاهل متهور في ميوله وأهوائه فلا يرى غير ما تريد أن ترى نفسه لا ما يجب أن تراه، وإما منافق مخادع قد علم أن هواك في الصمت عن عيوبك وتجرير الذيول عليها فجاراك فيما تريد، ليبلغ منك ما يريد.
فها أنت ترى أن الناس يعكسون القضايا ويقلبون الحقائق فيسمون الصادق كاذبا، والكاذب صادقا، ولكن الناس لا يعلمون.