كان يأكل ويشرب كل ما تشتهيه نفسه, وما يلتئم مع طبيعته, فحالوا بينه وبين ذلك, وملئوا قلبه خوفا من المرض أو الموت وأبوا أن يأكل أو يشرب إلا كما يريد الطبيب, وأن يتكلم أو يكتب إلا كما يريد الرئيس الديني أو الحاكم السياسي, وأن يقوم أو يقعد أو يمشي أو يقف أو يتحرك أو يسكن إلا كما تقضي به قوانين العادات والتقاليد.
لا سبيل إلى السعادة في الحياة إلا إذا عاش الإنسان فيها حرا مطلقا, لا يسيطر على جسمه وعقله ونفسه ووجدانه وفكره مسيطر إلا أدب النفس.
الحرية شمس يجب أن تشرق في كل نفس، فمن عاش محروما منها عاش في ظلمة حالكة يتصل أولها بظلمة الرحم، وآخرها بظلمة القبر.
الحرية هي الحياة ولولاها لكانت حياة الإنسان أشبه شيء بحياة اللعب المتحركة في أيدي الأطفال بحركة صناعية.
ليست الحرية في تاريخ الإنسان حادثا جديدا، أو طارئا غريبا، وإنما هي فطرته التي فطر عليها مذ كان وحشا يتسلق الصخور، ويتعلق بأغصان الأشجار.
إن الإنسان الذي يمد يده لطلب الحرية ليس بمتسول ولا مستجد, وإنما هو يطلب حقا من حقوقه التي سلبته إياها المطامع البشرية، فإن ظفر بها فلا منة لمخلوق عليه ولا يد لأحد عنده.
عبرة الهجرة
إن في أخلاق النبي -صلى الله عليه وسلم- وسجاياه التي لا تشتمل على مثلها نفس بشرية ما يغنيه عن كل خارقة تأتيه من الأرض أو السماء، أو الماء أو الهواء.
إن ما كان يبهر العرب من معجزات علمه وحلمه، وصبره واحتماله، وتواضعه وإيثاره، وصدقه وإخلاصه، أكثر مما كان يبهرهم من معجزات تسبيح الحصى وانشقاق القمر، ومشى الشجر، ولين الحجر؛ ذلك لأنه ما كان يريبهم في الأولى ما كان يريبهم في الأخرى من الشبه بينها وبين عرافة العرافين وكهانة الكهنة وسحرة السحرة، فلولا صفاته النفسية وغرائزة وكمالاته ما نهضت له الخوارق بكل ما يريد، ولا تركت المعجزات في نفوس العرب ذلك الأثر المعروف، ذلك هو معنى قوله تعالى: {ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك} .
كان النبي -صلى الله عليه وسلم- شجاع القلب فلم يهب أن يدعو إلى التوحيد قوما مشركين يعلم أنهم غلاظ جفاة شرسون
متحمسون يغضبون لدينهم غضبهم لأعراضهم ويحبون آلهتهم كما يحبون أبناءهم.
كان على ثقة من نجاح دعوته فكان يقول لقريش أشد ما كانوا هزءا وسخرية: "يا معشر قريش والله لا يأتي عليكم غير قليل حتى تعرفوا ما تنكرون، وتحبوا ما أنتم له كارهون".
كان حليما سمح الأخلاق, فلم يزعجه أن كان قومه يؤذونه ويزدرونه ويشعثون1 منه ويضعون التراب على رأسه ويلقون على ظهره أمعاء الشاة وسلى2 الجزور وهو في صلاته بل كان يقول: "اللهم اغفر لقومي فإنهم لايعلمون".
كان واسع الأمل كبير الهمة صلب النفس لبث في قومه ثلاث عشرة سنة يدعو إلى الله, فلا يلبي دعوته إلا الرجل بعد الرجل فلم يبلغ الملل من نفسه ولم يخلص اليأس إلى قلبه فكان يقول: "والله لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في شمالي على أن أترك هذا الأمر حتى يظهره الله أو أهلك فيه ما تركته".
وما زال هذا شأنه حتى علم أن مكة لن تكون مبعث الدعوة ولا مطلع تلك الشمس المشرقة فهاجر إلى المدينة فانتقل الإسلام PageV01P151
بانتقاله من السكون إلى الحركة ومن طور الخفاء إلى طور الظهور.
لذلك كانت الهجرة مبدأ تاريخ الإسلام؛ لأنها أكبر مظهر من مظاهره وكانت عيدا يحتفل به المسلمون في كل عام؛ لأنها أجمل ذكرى للثبات على الحق والجهاد في سبيل الله.