الأدب الكاذب
كنا وكان الأدب حالا قائمة بالنفس صاحبها أن يقدم على شر أو يحدث نفسه به أو يكون عونا لفاعليه عليه، فإن ساقته إليه شهوة من شهوات النفس أو نزوة من نزوات العقل وجد نفسه عند غشياته من المضض والامتعاض ما ينغصه عليه ويكدر صفوه وهناءه، ثم أصبحنا وإذا الأدب صور ورسوم وحركات وسكنات وإشارات والتفاتات لا دخل لها في جوهر النفس ولا علاقة لها بشعورها ووجدانها، فأحسن الناس عند الناس أدبا وأكرمهم خلقا وأشرفهم مذهبا من يكذب على أن يكون كذبه سائغا مهذبا، ومن يخلف الوعد على أن يحسن الاعتذار عن إخلافه، ومن يبغض الناس جميعا بقلبه على أن يحبهم جميعا بلسانه، ومن يقترف ما شاء من الجرائم والذنوب على أن يتخلص من نتائجها وآثارها، وأفضل عندهم من هؤلاء جميعا أولئك الذين برعوا في فن "الآداب العالية" أي فن الرياء والنفاق وتفوقوا في استظهار تلك الصور الجامدة التي تواضع عليها جماعة
"الظرفاء" في التحية والسلام واللقاء والفراق والزيارة والاستزارة والمجالسة والمنادمة وأمثال ذلك مما يرجع العلم به غالبا إلى صغر النفس وإسفافها أكثر مما يرجع إلى أدبها وكمالها، فكان الناس لا يستنكرون من السيئة إلا لونها فإذا جاءتهم في ثوب غير ثوبها أنسوا بها وسكنوا إليها ولا يعجبهم من الحسنة إلا صورتها فإذا لم تأتهم من الصورة التي تعجبهم وتروقهم عافوها وزهدوا فيها، أي أنهم يفضلون اليد الناعمة التي تحمل خنجرا على اليد الخشنة التي تحمل بدرة، ويؤثرون كاس البللور المملوءة سما على كاس الخزف المملوءة ماء زلالا ولقد سمعت بأذني من أخذ يعد لرجل من أصدقائه من السيئات ما لو وزع على الخلق جميعا للوث صحائفهم ثم ختم كلامه بقوله: وإني على ذلك أحبه وأجله؛ لأنه رجل "ظريف" وأغرب من ذلك كله أنهم وضعوا قوانين أدبية للمغازلة والمعاقرة والمقامرة كأن جميع هذه الأشياء فضائل لا شك فيها وكانت الرذيلة وحدها هي الخروج عن تلك القوانين التي وضعت لها، وما عهدنا ببعيد بذلك القاضي المصري الذي أجمع الناس في مصر على احتقاره وازدرائه حينما علموا أنه تلاعب بأوراق اللعب في أحد أندية القمار وسموه لصا دنيئا والقمار لصوصية من أساسه إلى ذروته.
أعرف في هذا البلد رجلين يجمعهما عمل واحد ومركز واحد، أحدهما خير الناس والآخر شر الناس، وإن كان الناس لا يرون رأي فيهما.
أما الأول فهو رجل قد أخذ نفسه منذ نشأته بمطالعة كتب الأخلاق والآداب ومزاولتها ليله ونهاره فقرأ فيها فصول الصدق والأمانة والعفة والزهد والسماحة والنجدة والمروءة والكرم وقصص السمحاء والأجواد والرحماء والمؤثرين وافتتن بتلك الفضائل افتتانا شديدا ثم دخل غمار المجتمع بعد ذلك وقد استقر في نفسه أن الناس قد عرفوا من الأدب مثل ما عرف وفهموا من معناه مثل ما فهم وأخذوا منه بمثل الذي أخذ فغضب في وجه الأشرار وابتسم في وجه الأخيار، والأولون أكثر عددا وأعظم سلطة وجاها، فسمي عند الفريقين شرسا متوحشا، وامتدح إحسان المحسن، وذم إساءة المسيء، والمحسنون في الدنيا قليلون، فسمي وقحا بذيئا حتى بين المحسنين، وبذل معروفه للعاجز الخامل ومنعه القادر النابه فلم يشعر بمعروفه أحد، فسمي بخيلا، واعتبر الناس بقيمهم الأدبية لا بمقاديرهم الدنيوية فلقي الأغنياء والأشراف بمثل ما يلقى به العامة والدهماء فسمي متكبرا، وقال لمن جاءه