تركت منزل دي موسيه ومشيت في شارع من شوارع باريس, فرأيت شيخا رث الثياب زري الهيئة يمشي مشية هادئة مطمئنة ويجر في رجليه نعلا بالية قد أطلت أصابعه من خروقها كما تطل الحيات من أحجارها, فأتبعته نظري فرأيته لا يرفع طرفه سكونا وإطراقا ولا يحرك عضوا من أعضائه رزانة ووقارا, فقلت في نفسي: إن لهذا الرجل شأنا فمشيت وراءه حتى رأيته قد وقف على باب حانوت إسكاف فلم يجد صاحب الحانوت في مكانه فجلس على الأرض ينتظره حتى يعود فيخصف له نعله, فسألت بعض المارة عنه فقال: هذا "كورني" شاعر فرنسا, فأخذتني الدهشة وملكني العجب حتى كاد يحول بيني وبين عقلي, فقلت في نفسي: ويح لكم معشر الناس، أتضنون بقطعة من الجلد الأسمر على رجل يقلد أعناقكم الدر والجوهر؟! أعجزتم عن أن تجمعوا أمركم على أن تمسحوا هذه
الغصون عن تلك الجبهة التي تجود عليكم كل يوم بما يفرج كربتكم، وينعش نفوسكم، ثم رجعت أدراجي وأنا أقول: كأن قضاء حتما على الدهر ألا ينيل هؤلاء الأدباء من دهرهم ما يريدون، ولا يمنحهم من العيش ما يشتهون.
إن في جلسة لامارتين منفردا في منزله لا مؤنس له غير كلبه, وفي عزلة دي موسيه في غرفته وخلوته ببكائه ونحيبه, وفي ضجعة كورني أمام حانوت الإسكاف لآية للمتفكرين، وعبرة للمعتبرين.
الآن عدت من سياحتي في ذلك الكتاب أشكر للكاتب ما كتب, وللمترجم ما ترجم وأقول: من لي في كل يوم بسياحة مثل هذه السياحة في كتاب مثل هذا الكتاب؟
دمعة على الأدب
مات بالأمس إمام الشعر البارودي, وإمام النثر محمد عبده فجزعنا ما جزعنا، وسكبنا عليهما من الدموع ما سكبنا، ثم كفكفنا من تلك الدموع، وخفضنا من زفرات الضلوع، حينما سمعنا قول القائل: إن في الباقي عزاء عن الفاني، وإن في الأبناء خلفا من الآباء، ولقد كر على عهدهما الشهر بعد الشهر، والدهر أثر الدهر، والأدب جاث في مكمنه جاثم، لم يبعث من مرقده بعدما قبرناه، ولم ينشر من قبره بعدما واريناه، فتساءلنا: أين الباقي الذين يزعمون، والخلف الذين يذكرون؟
أين فطاحل اللغة الأدبية لا السياسية، وأرباب الأقلام العربية لا الأعجمية؟!
عذرنا المويلحي الكبير واليازجي؛ لأنهما ماتا ولحقا بصاحبيهما, فهل مات شوقي وحافظ والبكري والمويلحي الصغير؟!
ما مات منهم أحد، وإنما كانت حياة الرجلين حياة الصناعتين, وكان لوجودهما سر من الأسرار ينبعث في الألسنة فيطلقها،
والأقلام فيجريها، وكانت منزلتهما من الأحياء منزلة الأم من مصابيح الكهرباء، تشتعل المصابيح بتيارها، وتضيء بأسرارها، فإذا فرغت مادتها وانقضى أجلها عم الظلام واشتد الحلك، والمصابيح كما هي جسم بلا روح، ولفظ بلا معنى.
أما شوقي فقد طار في جو غير هذا الجو، وهام في واد غير ذلك الوادي، وما زالت تعبث به الأنواء، حتى أغرقته فى شبر من الماء، وأما حافظ فقد انقضت حياته النثرية قبل انقضاء البؤساء1.أما حياته الشعرية فلم يبق منها غير نظم المقالات السياسية من العام إلى العام، وأين هذه القيثارة البسيطة ذات اللحن الواحد من ذلك العود الأجوف الرنان الذي كنا نسمع منه مختلف الألحان، وأفانين الأشجان، وأما البكري والمويلحي فقد قضيا حق التأليف هذا بصهاريجه2 وذاك بفتراته3 ثم لحقا بالسابقين، ومضيا على أثر الماضين: